في الشرق الأوسط، لا تُدار السياسة بالأخلاق، بل بموازين الخوف والمصلحة، حيث تُكتب خرائط النفوذ بالدم أكثر مما تُكتب بالحبر. وفي قلب هذا المشهد القاسي، يقف الكوردي منذ قرنٍ كامل أمام سؤال الوجود ذاته: كيف يمكن لشعبٍ يمتلك هذا التاريخ الطويل من التضحيات أن يبقى معلقًا دائمًا بين وعود القوى الكبرى وخناجر الجغرافيا؟ لقد تحولت كوردستان، بكل ما تمثله من معنى رمزي وتاريخي، إلى ساحة مفتوحة لصراع المشاريع الإقليمية والدولية، وأصبح الكوردي مطالبًا في كل مرحلة بأن يختار شكل الخسارة، لا شكل الانتصار.
إن الضغوط التي مورست على القيادة الكوردية خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد خلافات سياسية عابرة، بل كانت جزءًا من عملية إعادة تشكيل للمنطقة بأكملها، حيث حاولت القوى الكبرى والإقليمية إخضاع الإرادة الكوردية لمنطق التوازنات القسرية. فالرسالة التي تكررت بصيغ مختلفة كانت واضحة: إما الانحناء أمام خرائط النفوذ الجديدة، أو مواجهة الفوضى والعزل والحصار. وهكذا وجد الكوردي نفسه مرة أخرى داخل معادلة تاريخية قاسية، يصبح فيها البقاء ذاته نوعًا من المقاومة.
وفي هذا السياق، تحولت “قسد” إلى عقدة سياسية تتجاوز حدود روجافا نفسها. فالسؤال لم يعد متعلقًا فقط بدورها العسكري أو السياسي، بل بطبيعة الموقع الذي وُضعت فيه داخل لعبة الأمم. لقد استُخدمت هذه القوة، في نظر كثيرين، بوصفها أداة متعددة الوظائف، مرة لمحاربة داعش، ومرة للضغط على دمشق، ومرة أخرى كورقة ابتزاز إقليمي بين واشنطن وأنقرة. وهنا تتجلى المأساة الكبرى، حين يتحول دم الشباب الكوردي إلى مادة تفاوض فوق طاولات المصالح الدولية، وتصبح التضحيات الهائلة مجرد أرقام في حسابات الجغرافيا السياسية.
فالولايات المتحدة، التي قدمت الدعم العسكري لقسد، لم تتحرك بدافع الإيمان بالحقوق القومية للكورد، بل وفق منطق المصالح الاستراتيجية. وعندما تبدلت الأولويات الإقليمية، تبدلت اللغة السياسية أيضًا، من خطاب “الشراكة” إلى خطاب “الدمج” وإعادة التكييف ضمن بنية الدولة السورية. أما تركيا، فلم تنظر يومًا إلى أي كيان كوردي مستقل بوصفه مجرد خطر أمني، بل بوصفه تهديدًا فلسفيًا لفكرة الدولة القومية التركية نفسها، لأن المشكلة بالنسبة لأنقرة لم تكن السلاح فقط، بل احتمال أن يرفع الكوردي رأسه بوصفه صاحب قضية وهوية.
لكن المأساة الكوردية لم تأتِ فقط من الخارج، بل من الانقسام الداخلي أيضًا. فالتشظي السياسي الكوردي سمح للقوى الإقليمية بتحويل الخلافات الداخلية إلى أدوات ضغط واختراق. وبين المحاور المتصارعة، من السليمانية إلى قنديل، ومن الحسابات الحزبية الضيقة إلى الارتهانات الخارجية، ضاع المشروع القومي في كثير من الأحيان بين ولاءات متناقضة. وهنا تكمن الكارثة الفلسفية العميقة: شعب يمتلك ذاكرة تاريخية هائلة، وجغرافيا، وثقافة، وشعرًا، وتضحيات لا تنتهي، لكنه لم يتمكن حتى الآن من بناء مركز قرار قومي موحد يحمي وجوده من التحول إلى ورقة بيد الآخرين.
ومع ذلك، فإن المشهد لا يمكن اختزاله في ثنائية خيانة ووفاء، أو بطولة وانكسار. فالقيادة الكوردية تجد نفسها محاصرة داخل حقل ألغام جيوسياسي معقد، حيث تتقاطع ضغوط أنقرة وطهران وبغداد ودمشق، وتتحول أي خطوة غير محسوبة إلى احتمال لانفجار شامل. لذلك تبدو السياسة الكوردية أحيانًا وكأنها محاولة دائمة لتأجيل الكارثة، لا لصناعة النصر. غير أن الشارع الكوردي، المثقل بذاكرة الخذلان التاريخي، يرى الأمور من زاوية مختلفة، لأنه يشعر أن المدن الكوردية تُترك مرة بعد أخرى وحيدة أمام العواصف، كما حدث في محطات مفصلية من التاريخ الحديث.
لقد أصبح الكوردي اليوم في مواجهة جبهة واسعة من المصالح المتناقضة التي تتفق جميعها، رغم اختلافاتها، على منع تشكل إرادة كوردية مستقلة. من أنقرة إلى طهران، ومن بغداد إلى دمشق، وصولًا إلى الميليشيات العابرة للحدود والتحالفات المحلية المرتبطة بالخارج، تبدو كوردستان وكأنها محاصرة بمنطق “الكل ضد الكوردي”. فكل قوة في المنطقة تريد كورديًا بشروطها الخاصة: تركيا تريد كورديًا منزوع الهوية، إيران تريد كورديًا تابعًا، دمشق تريد كورديًا بلا ذاكرة سياسية، أما القوى الدولية فتريد كورديًا يؤدي دوره المرحلي ثم يختفي بصمت عندما تنتهي الحاجة إليه.
ورغم كل ذلك، تبقى الحقيقة الأعمق أن القضية الكوردية لم تمت، لأن الكورد ليسوا مجرد تنظيم سياسي أو تشكيل عسكري يمكن تفكيكه أو دمجه، بل هم ذاكرة تاريخية ممتدة عبر آلاف السنين. هذه الحقيقة هي ما يثير قلق خصومهم جميعًا، لأنهم يدركون أن الشعوب قد تُهزم عسكريًا، لكنها لا تختفي ما دامت تحتفظ بوعيها الجمعي وإرادتها الداخلية. ولذلك، فإن المأساة الكوردية ليست فقط في أنهم بلا دولة، بل في أنهم يعيشون باستمرار داخل خرائط الآخرين، ويُجبرون في كل مرة على الدفاع عن حقهم الأساسي في الوجود.
وفي النهاية، يبقى الصمود الكوردي، رغم الجراح والانقسامات والخذلان، هو الحقيقة الوحيدة التي لم تستطع كل مشاريع المنطقة كسرها. فالكوردي، الذي خرج مرارًا من تحت الركام، ما زال يقف أمام العالم حاملًا ذاكرته وحقه في الحياة والكرامة. وكلما اعتقدت القوى الكبرى أن القضية انتهت، عادت لتكتشف أن الشعوب لا تُقاس بعدد البنادق فقط، بل بقدرتها على البقاء حيّة في وجه محاولات المحو الطويلة.
بوتان زيباري
السويد
10.05.2026

