يُقال إن بعض التجارب السياسية تُقاس بقدرتها على التغيير، لا بقدرتها على الاستمرار. وفي هذا السياق، يمكن فهم ما يُسمّى بـ“الديمقراطية الكبيسة” بوصفها حالة لا تُحدث تحولًا نوعيًا في بنية السلطة، بل تكتفي بإعادة إنتاجها ضمن إيقاعٍ دوريٍّ منتظم. فهي، على غرار السنة الكبيسة، لا تضيف إلى الزمن إلا يومًا واحدًا، دون أن تمسّ جوهره. كذلك هذه الديمقراطية لا تضيف إلى المجتمع سوى لحظة انتخابية ، بينما تبقى بنية السلطة على حالها.
ومن هنا، لا يبدو الاقتراح الساخر بإجراء الانتخابات في التاسع والعشرين من شباط بعيدًا عن الدلالة، بقدر ما يكشف عن المفارقةٍ : حين تتحول الانتخابات من أداة للتغيير إلى طقسٍ شكلي، فإنها تفقد معناها بوصفها تعبيرًا عن الإرادة العامة، وتغدو مجرد آلية لإضفاء الشرعية على واقعٍ قائم.
غير أن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن تجارب الثورات الكبرى. فـ الثورة الفرنسية لم تكن مجرد إسقاطٍ للملكية، بل لحظة تأسيس لمجتمع جديد، سرعان ما كشف عن تناقضاته الداخلية، حين انتقل الصراع من مواجهة الاستبداد إلى صراعٍ بين قوى اجتماعية متباينة. وكذلك الحال في الثورة البلشفية، التي قدّمت أطروحةً جذرية مفادها أن تغيير شكل الدولة لا يكفي، ما لم يترافق مع تغيير في طبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تقوم عليها. أما الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ، فقد ذهبت أبعد من ذلك، حين جعلت من تنظيم الفئات المهمّشة شرطًا لبقاء الثورة واستمرارها.
هذه التجارب، على اختلاف سياقاتها، تلتقي عند نقطة مركزية:
الثورة ليست حدثًا، بل مسار.
والتحرر القومي ليس نهاية، بل بداية لسؤالٍ : من يملك السلطة بعد سقوطها؟
في هذا الإطار، يمكن قراءة تجربة ما بعد انتفاضة 1991 في العراق، التي أعقبت تراجع سلطة صدام حسين في جنوب کوردستان . فقد مثّلت تلك اللحظة ذروة الفعل الجماهيري، لكنها لم تتحول إلى مشروعٍ مؤسسي قادر على إعادة تنظيم المجتمع.
وهنا تظهر المفارقة التي لا يمكن تجاهلها:
المنتفضون الذين صنعوا هذا التحول، لم يتحولوا إلى قوة سياسية منظمة تحميه.
فعلى خلاف ما جرى في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية والثورة الصينية، حيث سعت القوى الثورية—بدرجات مختلفة—إلى تنظيم نفسها وتحويل إنجازها إلى بنية مستمرة، بقيت طاقة الانتفاضة في حالتنا محصورة في لحظة الانفجار، دون أن تنتقل إلى مرحلة البناء.
وبذلك، لم تُهزم الثورة فقط من الخارج، بل تُركت من الداخل دون حماية.
ومع مرور الوقت، بدأت بنية جديدة بالتشكل:
طبقة حاكمة تملك القرار والثروة،
وطبقة واسعة من الفقراء الذين صنعوا الحدث، ثم وجدوا أنفسهم خارجه.
وهنا بالضبط، تتجسد “الديمقراطية الكبيسة”.
فهي ليست غيابًا كاملاً للديمقراطية، بل حضورها الشكلي:
انتخابات تُجرى،
مؤسسات قائمة،
لكن دون تغيير فعلي في موازين القوة داخل المجتمع.
أما الإشارة إلى التجربة الأمريكية، فلا يمكن فصلها عن الحرب الباردة، حيث استُخدمت الديمقراطية بوصفها أداةً أيديولوجية في مواجهة المعسكر الشرقي. غير أن نقل هذا النموذج إلى سياقات مختلفة، دون مراعاة شروطه، أدى إلى مفارقات واضحة، حيث جرى دعم قوى لا تعكس بالضرورة روح الديمقراطية، بقدر ما تخدم توازنات سياسية معينة.
وهنا يتضح أن المشكلة ليست في الديمقراطية كمبدأ، بل في غياب الشروط التي تجعلها فاعلة. فالديمقراطية التي لا تستند إلى توازن اجتماعي حقيقي، تتحول إلى غطاء لإدارة الاختلال، لا إلى أداة لتصحيحه.
وبهذا المعنى، لا يمكن اختزال المسؤولية في السلطة وحدها.
فغياب التنظيم لدى المنتفضين، وعدم انتقالهم من لحظة الاحتجاج إلى بناء قوة سياسية واعية، أسهم في فتح المجال أمام إعادة إنتاج نفس البُنى التي قامت الانتفاضة ضدها.
إن الثورة التي لا تُستكمل، لا تموت… بل تتحول.
تتحول إلى شكلٍ بلا مضمون،
وإلى ديمقراطية بلا تغيير.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي يصعب تجاوزها:
التحرر القومي كان نصف الطريق فقط،
أما النصف الآخر—الأصعب—فهو بناء توازن اجتماعي حقيقي.
فإما أن تتحول الجماهير إلى قوة منظمة تدافع عن مصالحها،
أو تبقى الديمقراطية… كبيسة،
تأتي كل حين، ولا تغيّر شيئًا.
رضوان فارس

