طموحات ترامب و أمنیات إيران، ندان لا یلتقیان: تحليل نفسيإجتماعی- د. عبدالباقي مایی

 

العلاقات لا تُبنى فقط على المصالح، بل كثيرًا ما تتحرك في عمقها بدوافع نفسية و إجتماعية تُشكّل صورة الذات و صورة الآخر، و تعيد إنتاج مشاعر القوة و التهديد و الاعتراف و الإنكار. ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة بين دونالد ترمپ و الجمهورية الإسلامية فی إیران مثالًا واضحًا على صراع لا يقتصر على الملفات السياسية، بل يمتد إلى تصادم بين بنيتين نفسيتين و اجتماعيتين مختلفتين في فهم الهوية و المكانة و السلطة والدين.

ترامب، بوصفه شخصية سياسية تقوم على إظهار القوة والحسم والقدرة على فرض الشروط، بالإضافة إلی أعراض واضحة لإضطراب الشخصية النرجسية و داء العظمة، يعكس نموذجًا نفسيًا يربط الهيبة بالقدرة على السيطرة وإظهار التفوق وإن كانت طموح فقط، لا تلتزم بالمنطق أو الواقع. هذا النمط يجد صداه في جزء من الثقافة السياسية الأميركية التي ترى في التراجع ضعفًا و في الحزم تأكيدًا للزعامة. لذلك لا يظهر التعامل مع إيران لديه كملف تفاوضي فحسب، بل كاختبار رمزي لإرادة القوة: من يفرض شروطه؟ ومن ينجح في كسر صورة الآخر؟

في المقابل، تنظر إيران إلى نفسها من داخل وعي جمعي تشكّل تاريخيًا تحت ضغط التدخلات الخارجية والعقوبات والعزلة السياسية، ما عزز حساسية عالية تجاه مسألة السيادة والكرامة الوطنية. ومن الناحية النفسية–الاجتماعية، فإن المجتمع الذي يختبر الضغوط لفترات طويلة يطوّر آليات دفاع جماعية، كما هو الحال بالنسبة للشعب الكوردی، من بينها التشبث بالهوية، ورفض الإملاءات الخارجية، وإعادة تعريف الصمود باعتباره عنصرًا من عناصر الكرامة الوطنية.

من هنا تتكوّن فجوة نفسية عميقة بين الطرفين. فحين يرفع ترامب سقف الضغط، يقرأ ذلك في إيران بوصفه تهديدًا للكرامة الوطنية ومحاولة لإخضاع الإرادة الجماعية، لا مجرد خطوة سياسية قابلة للتفاوض. وحين تُظهر إيران تمسكها بمواقفها، يقرأ ذلك في خطاب ترامب باعتباره تحديًا مباشرًا لهيبة القوة الأميركية. وفي الحالتين، يصبح التنازل صعبًا، لأن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالمصلحة، بل بصورة الذات أمام الداخل وأمام العالم. وهذا هو السبب الرئیسی لسوء الفهم الذی أدی إلی حرب ضروس بين الولايات المتحدة الأمریكیة و الحكومة الإسلامیة فی إیران، یصعب إنهاءها.

اجتماعيًا، يُغذّي هذا التوتر أيضًا حاجات داخلية لدى الطرفين. فالقيادة السياسية كثيرًا ما تحتاج إلى “خصم خارجي” يعزز تماسك جمهورها ويمنح خطابها شرعية أكبر. في المجتمع الأميركي، يُستخدم ملف إيران في كثير من الأحيان لتعزيز خطاب الأمن والقوة و محاربة الإرهاب. وفي الداخل الإيراني، تتحول الضغوط الخارجية إلى عامل يُعيد إنتاج التضامن الداخلي ويمنح الخطاب السياسي معنى مقاومًا أمام الجمهور المسلم الشیعی المذهب الذی يشجع علی الإستشهاد فی سبيل الدفاع عن الوطن. هذان المصطلحان یولدان قاعدة هشة للتفاوض علی تسميات زائفة.

وهنا تظهر المفارقة: ترامب يريد من الضغط أن يفرض تغييرًا سريعًا وواضحًا، بينما تستثمر إيران اجتماعيًا ونفسيًا في القدرة على الاحتمال والتكيّف طويل الأمد. أحد الطرفين يراهن على كسر الإرادة، والطرف الآخر يحوّل التحمّل إلى جزء من هويته السياسية و الاجتماعية و الدینیة التی تغذي محور المقاومة. و بین هذا الجنون المفرط بالسلطة و المال الذی یتمیز به ترمپ، و الإيمان المطلق بنوستالجیا الأساطير القديمة فی المبادئ والأديان، یقع العالم فی مصيدة المادة و غياب الروح. ليس للعالم مفر غیر الرجوع إلی الحقيقة فی حصر المادة كوسيلة للعيش والحياة، و غسل الروح من شوائب الدنیا و نوستالجيا الأشخاص.

هكذا لا تلتقي طموح ترامب مع أمنیات إيران، ليس فقط لأن المصالح متعارضة بل لأن البنية النفسية و الإجتماعية و المبدئية لكل طرف تمنحه تفسيرًا مختلفًا للقوة، وللهوية، و لما يعنيه الإنتصار أو التراجع. و في مثل هذا الصراع يصبح الحل السياسي أكثر تعقيدًا، لأن التفاوض هنا لا يجري فقط بين مواقف بل بين صور ذهنية متجذرة، و ذاكرة جماعية حساسة، و رغبة متبادلة في ألا يظهر أي طرف بموقع الضعف أمام نفسه قبل الآخر. وفی كلا الطرفین، أمنيات ترامب و آمال الجمهورية الإسلامية، ما هی إلا أحلام اليقظة أو محض خيال. هذان ندان لایلتقیان حتی تنتهي المصطلحات الزائفة لكی تزیل تسمية “الإرهاب” عندما يتعلق الأمر بمقاومة الشعوب المضطهدة وكفاحها السلمي الذی تۆیده القوانين الدولية للدفاع عن حق تقرير المصیر دون عقوبة أو تمجید، و لكی تعود الروح لتنقذ الإنسان من ما تملكه يداه من شر و قتل و تدمیر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *