الكورد حلفاء في الحرب وغائبون في السلام… إلى متى؟- د.سوزان ئاميدي

 

حين توقفت ثورة القائد الكوردي مصطفى بارزاني بعد اتفاق الجزائر عام 1975، لم يشعر الكورد أنهم خسروا معركة عسكرية فحسب، بل شعروا أن صفحة جديدة من الوعود الدولية غير المكتملة قد أُغلقت على حسابهم. ومنذ ذلك التاريخ، ظل سؤال الثقة يرافق العلاقة بين الكورد والقوى الكبرى: هل يُنظر إلى الكورد كشركاء حقيقيين في صناعة المستقبل، أم كأدوات مؤقتة تفرضها الحاجة العسكرية ثم يجري الاستغناء عنها عند تغير المصالح؟
بعد أكثر من نصف قرن، ما زال هذا السؤال حاضراً بقوة. فالحروب والأزمات التي شهدتها المنطقة تغيرت، لكن النمط السياسي الذي يحكم العلاقة بين الكورد والقوى الدولية والإقليمية يبدو وكأنه يتكرر بصورة لافتة. ففي أوقات الصراع يصبح الكورد عنصراً مهماً في المعادلات الأمنية والعسكرية، أما عند الانتقال إلى مرحلة التسويات، فإن حضورهم السياسي غالباً ما يتراجع لصالح حسابات الدول وموازين القوى الإقليمية.
في العراق، كان الكورد جزءا اساسياً من مواجهة الإرهاب، وقد لعبت قوات البيشمركة دورا بارزاً في الحرب ضد تنظيم داعش. ونالت هذه التضحيات إشادة واسعة من المجتمع الدولي، إلا أن كثيراً من القضايا السياسية الجوهرية بقيت دون حلول نهائية، الأمر الذي عزز شعوراً لدى قطاعات واسعة من الكورد بأن الاعتراف بالدور العسكري لا يقابله بالضرورة اعتراف مماثل بالحقوق السياسية.
أما في سوريا، فقد شكلت القوات الكوردية الشريك الميداني الأكثر فاعلية للولايات المتحدة والتحالف الدولي في الحرب ضد داعش. وقدمت آلاف الضحايا في مواجهة التنظيم. لكن مع تغير الأولويات الدولية وتبدل الحسابات الإقليمية، وجد كورد سوريا أنفسهم أمام تحديات جديدة دون أن تترافق تلك الشراكة العسكرية مع ضمانات سياسية واضحة ومستدامة. ومن هنا نشأ لدى كثير من الكورد شعور بأنهم تحملوا أعباء المواجهة بينما لم يحصلوا على القدر نفسه من الالتزام السياسي بعد انتهاء الحاجة العسكرية الملحة.
وفي إيران، عاد هذا القلق التاريخي إلى الواجهة خلال التوترات الأخيرة التي شهدتها المنطقة. فبينما فضلت الولايات المتحدة وحلفاؤها تجنب الانخراط في حرب برية مباشرة ضد إيران، ظهرت تحليلات ونقاشات سياسية تناولت إمكانية الاستفادة من القوى المعارضة للنظام الإيراني في ممارسة الضغوط عليه من الداخل. وفي هذا السياق، يطرح الكورد تساؤلاً مشروعاً : هل يُراد منهم مرة أخرى أن يكونوا في واجهة المواجهة مع دولة قوية ومتماسكة عسكرياً، دون وجود ضمانات حقيقية أو شراكة واضحة في النتائج؟
إن هذا التخوف لا يعكس رفضاً للتغيير أو للدفاع عن الحقوق، بل يستند إلى قراءة واقعية لموازين القوى. فالدخول في مواجهة مفتوحة مع دولة بحجم إيران دون دعم مباشر ومستدام قد يعرّض المناطق الكوردية وسكانها لمخاطر كبيرة، وهو ما يجعل كثيرين يتعاملون بحذر مع أي رهانات خارجية قد تدفعهم إلى صراعات تتجاوز قدراتهم الذاتية.
أما في تركيا، فالقضية الكوردية تبدو في كثير من الأحيان غائبة عن الخطابات الدولية التي تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. وعلى الرغم من أن ملايين الكورد يعيشون داخل تركيا وتبقى قضيتهم من أكبر القضايا السياسية في المنطقة، فإن المواقف الدولية تجاهها غالباً ما تتأثر بطبيعة العلاقات الاستراتيجية مع أنقرة أكثر مما تتأثر باعتبارات الحقوق والحريات.
إن القاسم المشترك بين هذه التجارب المختلفة هو أن الكورد كثيراً ما يُنظر إليهم بوصفهم عاملاً مهماً في إدارة الصراعات، لكنهم لا يحظون بالمكانة نفسها عند رسم خرائط التسويات. فالدعم الذي يُمنح في زمن الحرب يتراجع عند حلول السلام، والوعود التي تُطلق خلال الأزمات تصطدم في كثير من الأحيان بحسابات المصالح عندما تبدأ المفاوضات السياسية.
ولا يعني ذلك أن القوى الكبرى تتحرك بدافع العداء للكورد، فالدول في النهاية تبني سياساتها على المصالح لا على العواطف. لكن المشكلة تكمن في تكرار نمط من العلاقات يجعل الكورد جزءا من أدوات إدارة الأزمات، لا شركاء كاملين في صناعة الحلول. ولهذا ينظر كثير من الكورد إلى بعض التجارب السابقة بوصفها حالات تخلي عن حلفاء أدوا أدواراً كبيرة في لحظات حاسمة من تاريخ المنطقة.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الشراكة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان الحقوق السياسية. ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام الحركة السياسية الكوردية لا يتمثل فقط في بناء التحالفات أثناء الحروب، بل في امتلاك القدرة على تحويل تلك التحالفات إلى حضور سياسي فاعل عند صياغة التسويات.
فالكورد لم يكونوا يوماً غائبين عن ساحات القتال، لكن السؤال الذي ما زال يبحث عن إجابة عادلة هو: إلى متى يبقون حلفاء في الحرب وغائبين في السلام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *