إعادة الانتخابات…أداة تفاوض لا أداة حسم / د.سوزان ئاميدي

لم تكن الانتخابات في أي تجربة ديمقراطية وسيلة لإرضاء الجميع، بل آلية لتنظيم الخلاف داخل المجتمع. الفائز يحكم، والخاسر يعارض، والشارع بطبيعته منقسم. هذه ليست أزمة، بل قاعدة عمل سياسي مستقرة.
لكن ما يجري اليوم في إقليم كوردستان يكشف انحرافاً واضحاً عن هذه القاعدة، حيث لم تعد نتائج الانتخابات نقطة نهاية للعملية السياسية، بل بداية لصراع جديد عليها.
جوهر الأزمة لا يتعلق بخلل في الانتخابات، ولا برفض شعبي واسع، بل يتمثل في موقف الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي لا يتعامل مع نتائجه بوصفها استحقاقاً نهائياً، بل كنقطة تفاوض مفتوحة، مطالباً بمناصب تتجاوز ما أفرزته صناديق الاقتراع.
هنا تتحول المشكلة من خلاف سياسي طبيعي إلى إشكالية في فهم قواعد اللعبة نفسها:
هل الانتخابات تُنتج سلطة وفق النتائج، أم تُستخدم كمدخل لإعادة توزيعها لاحقاً؟
في هذا السياق، يعكس سلوك الاتحاد الوطني الكوردستاني في بغداد وكركوك محاولة لتعزيز موقعه التفاوضي عبر “أوراق ضغط خارج الإقليم”. هذه ليست خطوة جديدة في السياسة الكوردية، لكنها تحمل مخاطرة واضحة: كلما تم نقل الصراع الكوردي-الكوردي إلى ساحات خارجية، زادت كلفة ذلك على صورة الإقليم ووحدته.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى محاولة كسب رضا قوى وأحزاب في بغداد وعقد تفاهمات معها، دون الاكتراث الكافي بالشريك السياسي داخل الإقليم، وهو ما يمنح المركز ثقلاً أكبر على حساب الإقليم، ويضع شعب كوردستان أمام تحديات سياسية أكثر تعقيداً
في هذا السياق، يُطرح أحياناً موضوع “عدم رضا الشارع”، لكن حتى لو وُجدت حالة عدم رضا جزئي—وهي أمر طبيعي في كل الديمقراطيات—فإنها لا يمكن أن تكون مبرراً لإعادة الانتخابات أو القفز على نتائجها. فالمجتمعات لا تُدار بإجماع كامل، بل بقواعد ملزمة للجميع، سواء رضوا أم لم يرضوا.
في المقابل، يمتلك الحزب الديمقراطي الكوردستاني القدرة على تشكيل الكتلة الأكبر، لكنه يدرك أن أي حكومة تُبنى على كسر كامل للتوازنات ستبقى هشة، حتى وإن كانت دستورية. وهذا ما يجعل المشهد عالقاً بين طرف يطالب بأكثر مما حصل عليه، وطرف يتجنب الحسم الكامل.
الخطير في هذا المسار ليس فقط تعطيل تشكيل الحكومة، بل ترسيخ سابقة سياسية مفادها:
إذا لم تعجبك النتائج… تفاوض عليها أو اطلب إعادة إنتاجها.
هذه ليست ديمقراطية، بل إعادة تدوير للأزمة.
إقليم كوردستان اليوم لا يحتاج إلى انتخابات جديدة، بل إلى احترام نتائج الانتخابات القائمة، والالتزام بها كمرجعية نهائية. فالمشكلة ليست في صناديق الاقتراع، بل في طريقة التعامل معها.
الديمقراطية لا تعني أن يرضى الجميع، بل أن يلتزم الجميع.
وما لم تُحترم هذه القاعدة، ستبقى الانتخابات مجرد محطة مؤقتة في صراع مفتوح، لا نهاية له .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *