من يجرّ إيران إلى الحرب؟ / د.سوزان ئاميدي

في خضم التصعيد المتسارع بين واشنطن وطهران، لم يعد السؤال يدور حول احتمال الحرب، بل حول من يدفع باتجاهها داخل إيران. فالمشهد لم يعد كما كان، حيث كانت الكلمة محسومة داخل هرم السلطة، بل بات أكثر تعقيداً وتداخلاً.
اليوم، تبدو طهران وكأنها تتحدث بأكثر من صوت.
تصريحات متشددة، ورفض ظاهري للمفاوضات، يقابله حراك دبلوماسي غير معلن، ومحاولات لفتح قنوات عبر وسطاء. هذا التناقض لا يعكس استراتيجية موحدة بقدر ما يكشف عن تعدد مراكز القرار داخل النظام الإيراني، مع كفة راجحة تميل لصالح الحرس الثوري الإيراني في لحظة التصعيد.
في هذا السياق، لا يبرز الحرس الثوري الإيراني كلاعب أساسي فحسب، بل كقوة مهيمنة تفرض إيقاعها على القرار السياسي، حيث لم يعد يكتفي بإدارة الميدان، بل يحدد سقف التفاوض وحدود الانخراط أو التصعيد.
في المقابل، لا يمكن تجاهل موقع علي خامنئي، حتى في ظل غموض حضوره العلني. فغياب الموقف الحاسم يفتح الباب أمام تقدّم أدوار أخرى، ويمنح التيار العسكري هامشاً أوسع للتأثير في اتجاه القرار.
أما وزير الخارجية عباس عراقجي، فإن تشدده في ملف المفاوضات لا يعني بالضرورة رفضاً نهائياً، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك السياسي. فإيران لا تغلق باب التفاوض، لكنها ترفض أن تدخله من موقع الضعف.
المشهد العام يشير إلى أن ما يجري ليس اندفاعاً أعمى نحو الحرب، بل إدارة تصعيد محسوب ضمن توازنات داخلية وخارجية معقدة. ومع ذلك، يبقى هذا التوازن هشاً، وقابلاً للانزلاق في أي لحظة.
ولا يقتصر تأثير هذا التعقيد الداخلي على إيران وحدها، بل يمتد إلى الإقليم بأكمله، حيث يرفع منسوب عدم اليقين، ويزيد من احتمالات التصعيد غير المباشر عبر ساحات النفوذ، من العراق إلى الخليج، ويجعل أي خطأ في الحسابات قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
في الواقع، لا تجرّ إيران إلى الحرب جهة واحدة، بل صراع مراكز قرار، مع ثقل واضح للمؤسسة العسكرية، يدفع كل منها نحو الحافة… دون امتلاك قرار العودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *