العراق: من فرهود 1941 إلى فرهود ما بعد 2003- جورج منصور

 

لا أدري لماذا استخدمت تسمية «الفرهود» وتداولها الناس في العراق لوصف أحداث السلب والنهب والعنف وانتزاع الملكية التي تعرض لها اليهود العراقيون في بغداد في الأول من حزيران 1941، بعد الفوضى التي أعقبت سقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني، وقبل أن تتمكن القوات البريطانية من إحكام سيطرتها على العاصمة. فالكلمة، في معناها المتداول عراقياً، ارتبطت بتلك الأحداث الدامية، حتى أصبحت “الفرهود” اسماً لها في الذاكرة العراقية، وإن كان أصلها اللغوي ومعناها في المعاجم لا يؤديان بالضرورة هذا المعنى السياسي والاجتماعي المتعارف عليه.

وتشير المعاجم العربية إلى معانٍ مختلفة لكلمة “فرهود”؛ من بينها ما يتصل بولد الوعل أو ولد الأسد، أو الغليظ الشديد، وما شابه ذلك. غير أن الكلمة اكتسبت في العراق معنى تاريخياً آخر، صار أقرب إلى وصف حالة من الانفلات الجماعي التي تترافق مع النهب والاستيلاء على الممتلكات، ولا سيما في لحظات انهيار السلطة واضطراب الأمن.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كان فرهود 1941 حادثة استثنائية انتهت بانتهاء أيامها، أم أن العراق عرف بعد عام 2003 صورة أوسع وأطول أمداً من الفرهود، وإن اختلفت الأدوات والفاعلون والضحايا؟

لقد بدأت ملامح ما يمكن تسميته بـ”الفرهود الأكبر” في العراق بعد عام 2003، حين أفضى انهيار مؤسسات الدولة واضطراب الوضع الأمني والسياسي إلى فتح الباب أمام عمليات واسعة للاستيلاء على العقارات والممتلكات. ولم تكن المسألة مجرد أعمال نهب عشوائية تقوم بها جماعات مسلحة في الشوارع، بل تطورت في حالات عديدة إلى عمليات أكثر تنظيماً، تداخلت فيها القوة المسلحة مع النفوذ الإداري والتلاعب في دوائر التسجيل العقاري.

فقد قامت مجاميع مسلحة، بالتنسيق ــ بحسب ما تردد من شكاوى وملفات ــ مع موظفين في دوائر التسجيل العقاري، بالاستيلاء على عقارات ومنازل وأراضٍ تعود ملكيتها إلى مواطنين عراقيين. وفي حالات أخرى، استُخدمت وثائق مزورة أو معاملات قانونية ظاهرها السلامة، لتغيير أسماء المالكين ونقل الملكية إلى أشخاص آخرين.

وهنا تكمن خطورة الظاهرة.

فالفرهود في صورته التقليدية هو انفلات جماعي مؤقت، ينتهي عادة بانتهاء الفوضى التي أطلقته. أما الفرهود الذي عرفه العراق في سنوات ما بعد 2003، فقد اتخذ في بعض الحالات شكلاً أكثر تعقيداً: استيلاء على الملكية تحت غطاء إداري أو سياسي أو قانوني، وتحويل الجريمة من فعل مكشوف إلى معاملة تحمل أختاماً وتواقيع وسندات ملكية.

ولم تقتصر عمليات السلب والنهب والنصب والاحتيال على الجماعات المسلحة وحدها؛ فقد اتُّهم مسؤولون في الدولة، ومتنفذون في الساحة السياسية، وأطراف مرتبطة بمليشيات مسلحة، بالتورط في عمليات فساد واستحواذ على العقارات والممتلكات العامة والخاصة. وشملت هذه العمليات، بحسب شكاوى وتقارير متداولة، عقارات المواطنين، ومنهم المهاجرون والمغتربون الذين تركوا البلاد في سنوات العنف، فضلاً عن ممتلكات رموز النظام السابق وأركانه، والعمارات والمرافق الحكومية والبنايات التابعة للدولة.

وفي بعض الحالات، جرى استغلال قرارات حكومية أو إدارية لتسهيل تسجيل الملكية، وفي حالات أخرى استُخدمت وثائق مزورة في عمليات البيع والشراء ونقل الملكية. وهكذا لم يعد الاستيلاء على العقار بحاجة دائماً إلى كسر بابه أو طرد صاحبه بالقوة؛ فقد يكفي، في بعض الحالات، تغيير اسم في سجل أو تزوير سند أو تمرير معاملة في دائرة رسمية.

وهذا هو الجانب الأخطر في “الفرهود الجديد”: أن تتحول مؤسسات الدولة التي يفترض أن تحمي الملكية إلى أدوات يمكن اختراقها أو استغلالها للاستيلاء عليها.

وكان المسيحيون العراقيون من أكثر الفئات التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات العنف التي أعقبت عام 2003. فقد تعرضوا لسلسلة من الاستهدافات والتهديدات، واتُّهم بعضهم بالعمالة للاحتلال الأميركي، وتعرضت كنائسهم ومؤسساتهم الدينية للتفجير والاعتداء، كما شهدت مناطق مختلفة عمليات قتل واغتيال على أساس الهوية، الأمر الذي زرع الخوف والرعب في نفوس عائلات كثيرة.

ولم يكن الخوف من القتل وحده هو المشكلة. فقد وجد كثير من المسيحيين أنفسهم أمام تهديد آخر لا يقل خطورة: فقدان البيت والأرض والمحل والبستان، أي فقدان المكان الذي يربطهم بوطنهم وتاريخ عائلاتهم.

تعرضت عائلات مسيحية، وفق شكاوى وملفات متداولة، إلى التهديد والابتزاز والترهيب، بما حال في بعض الحالات دون رفع الشكاوى إلى الجهات المختصة لاسترداد ممتلكاتها، أو دفع أصحابها إلى بيع منازلهم وعقاراتهم وبساتينهم وأراضيهم بأسعار بخسة. وكان الأمر أكثر سهولة عندما يكون صاحب العقار مهاجراً أو لاجئاً يقيم خارج العراق، أو عندما يكون قد اضطر إلى مغادرة مدينته تحت ضغط التهديد والعنف.

وقد طالت هذه الظاهرة، بحسب ما ورد من شكاوى، مناطق ذات وجود مسيحي في بغداد، فضلاً عن الموصل ومناطق أخرى تعرض فيها المسيحيون لحملات استهداف وتهجير واسعة.

إن أخطر ما في الاستيلاء على ممتلكات العراقيين لا يكمن في الحالات التي تتم بالقوة المسلحة وحدها، بل في الحالات التي يجري فيها إضفاء مظهر قانوني على عملية غير قانونية.

فالسلاح يستطيع أن يطرد صاحب المنزل، لكن التلاعب بسند الملكية يستطيع أن يجعل عودته إلى منزله شبه مستحيلة.

ومن هنا فإن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند منع الاعتداء المسلح، وإنما تمتد إلى حماية سجلات الملكية، وتأمين دوائر التسجيل العقاري، والتحقق من صحة الوثائق والمعاملات، ومحاسبة كل موظف أو مسؤول يثبت تورطه في تغيير الملكيات أو تسهيل الاستيلاء عليها.

ومع ذلك، فإن الإجراءات القضائية والإدارية للحد من هذه الظاهرة تبدو، في حالات عديدة، أقل من مستوى خطورتها. فبين فترة وأخرى تصدر تصريحات حكومية تتوعد المتجاوزين، وتعلن اتخاذ إجراءات صارمة بحق المتلاعبين بسندات الملكية، لكن المشكلة أن الوعود وحدها لا تعيد بيتاً إلى صاحبه، ولا تعيد أرضاً إلى عائلة، ولا تصلح الضرر الذي يلحق بمجتمع اضطر أفراده إلى مغادرة وطنهم.

ولا تقتصر القضية على الممتلكات الخاصة. فقد امتدت ظاهرة الاستحواذ إلى عقارات الدولة وأراضيها ومبانيها، مستفيدة في بعض الحالات من ضعف مؤسسات الرقابة ومن تضارب القرارات والنفوذ السياسي.

وفي 18 تشرين الثاني 2018، أعلنت هيئة النزاهة استعادة ملكية عقار في مدينة الكاظمية، بعد أن استولى عليه مسؤول حكومي وسُجل باسم زوجته. وذكرت الهيئة أن المتابعة أسفرت عن صدور قرار من محكمة استئناف بغداد/الكرخ الاتحادية بإعادة ملكية العقار، البالغة مساحته 12,642 متراً مربعاً، إلى أمانة بغداد.

ومثل هذه القضية، إذا ثبتت تفاصيلها، تكشف جانباً مهماً من المشكلة: فحين يستطيع مسؤول في الدولة أن يحوّل ملكية عقار عام إلى ملكية خاصة، فإن القضية لا تعود مجرد فساد فردي، بل تصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية المال العام من داخل مؤسساتها.

وتؤكد المادة 23 من الدستور العراقي أن الملكية الخاصة مصونة، وأنه لا يجوز نزع الملكية إلا لأغراض المنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون. كما صدرت فتاوى ومواقف دينية تؤكد حرمة الاعتداء على أموال وممتلكات المسيحيين وغيرهم من المواطنين.

كذلك أُنشئت بعد عام 2003 آليات قانونية لمعالجة قضايا الملكية، ومنها قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010، الذي تناول، ضمن الحالات المشمولة، العقارات التي صودرت أو حُجزت أو انتُزعت ملكيتها لأسباب عرقية أو دينية أو خلافاً للإجراءات القانونية.

لكن المشكلة العراقية لم تكن دائماً في غياب النصوص، بل في ضعف تطبيقها.

فأفضل القوانين لا تساوي شيئاً إذا كان المواطن لا يستطيع الوصول إلى حقه، أو إذا كان الخصم أكثر نفوذاً منه، أو إذا كانت الوثيقة المزورة أسرع من الوثيقة الصحيحة، أو إذا كان صاحب العقار يعيش خارج البلاد ولا يستطيع الدفاع عن ملكيته.

وفي ظل الفوضى السياسية والأمنية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية، ظهرت اتهامات وشبهات بشأن افتعال حرائق في بعض دوائر التسجيل العقاري، بهدف إخفاء وثائق أصلية أو إتلاف سجلات يمكن أن تكشف الملكيات الحقيقية، ثم استغلال فقدان الوثائق لتزوير المستمسكات ونقل الملكية إلى أسماء أخرى.

ومهما يكن من أمر هذه الاتهامات، فإن مجرد وجود الشكوك حول سلامة سجلات الملكية يكشف هشاشة واحدة من أهم دعائم الدولة الحديثة.

فالطابو ليس مجرد دائرة بيروقراطية. إنه ذاكرة مادية للمدينة: من يملك الأرض، ومن اشترى البيت، ومن ورث البستان، وأين كانت حدود العقار. وإذا ضاعت هذه السجلات أو جرى العبث بها، فإن جزءاً من تاريخ المجتمع يضيع معها.

وقد أعلنت أمانة بغداد، في وقت سابق، وجود مئات المناطق السكنية التي نشأت بصورة غير قانونية نتيجة التجاوز على أراضي الدولة والمواطنين، وقدرت عدد سكان تلك المناطق بالملايين. وهذه الظاهرة، بحد ذاتها، تكشف حجم الفوضى التي أصابت علاقة المواطن بالدولة وبالأرض.

أما عقارات الدولة الواقعة في محيط المنطقة الخضراء، فقد قُدرت قيمة ما استحوذ عليه سياسيون ومسؤولون متنفذون، وفق أرقام متداولة، بنحو 150 مليار دينار. كما اتُّهم عدد من المسؤولين وأعضاء مجلس النواب بالاستحواذ على ممتلكات تعود إلى ضباط كبار في الجيش العراقي السابق أو إلى أقاربهم، عبر تغيير سندات الملكية أو شراء العقارات بمبالغ رمزية.

ربما تكون المقارنة بين فرهود 1941 وما جرى بعد 2003 قاسية، وربما يرفضها البعض لأن الظروف التاريخية والسياسية مختلفة تماماً. وهذا صحيح من الناحية التاريخية.

لكن المقارنة هنا ليست بين حدثين متطابقين، وإنما بين منطقين للاستيلاء على الملكية في لحظات ضعف الدولة.

في عام 1941 كان النهب الجماعي جزءاً من انفلات أمني قصير ومأساوي. أما بعد 2003، فقد استمرت أشكال الاستيلاء على الملكية سنوات طويلة، واتخذت في بعض الحالات طابعاً منظماً، وتداخل فيها المسلح بالسياسي، والسياسي بالإداري، والتزوير بالقانون.

ولهذا فإن “الفرهود الأكبر” ليس بالضرورة مشهداً واحداً من مشاهد النهب الجماعي؛ إنه منظومة متراكمة من الاستيلاء والتجاوز والتزوير واستغلال النفوذ، دفعت ضحيتها شرائح واسعة من العراقيين.

والمسيحيون ليسوا وحدهم ضحايا هذه الظاهرة، كما أن الممتلكات المسيحية ليست وحدها التي تعرضت للاستيلاء. فهناك عراقيون من طوائف ومناطق وطبقات مختلفة فقدوا منازلهم وأراضيهم وعقاراتهم في ظروف الفوضى والتهجير والنزوح. غير أن ما يجعل قضية المسيحيين أكثر إيلاماً هو أن فقدان الملكية جاء في أحيان كثيرة متزامناً مع فقدان المكان نفسه؛ أي مع هجرة عائلات وجماعات تاريخية من مدن وقرى عاشت فيها أجيالاً متعاقبة.

وهنا تتحول سرقة العقار إلى شيء أكبر من سرقة المال: إنها سرقة الذاكرة.

فالبيت الذي يغادره صاحبه تحت التهديد ليس مجرد عقار. والبستان الذي يُنتزع من عائلة ليست مجرد قطعة أرض. والكنيسة التي تُفرغ من أهلها ليست مجرد بناء ديني. إنها أجزاء من نسيج اجتماعي وتاريخي إذا تم تفكيكه يصعب إعادة بنائه.

العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من البيانات التي تتوعد المتجاوزين، بل إلى كشف الحقيقة.

يحتاج إلى سجلات عقارية مؤمنة، وقضاء مستقل قادر على إنصاف أصحاب الحقوق، ولجان تحقيق حقيقية في عمليات التزوير والاستيلاء، ومراجعة شاملة للملكيات التي تغيرت بعد عام 2003 في المناطق التي شهدت نزوحاً وتهجيراً، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كان منصبه أو انتماؤه السياسي.

كما يحتاج إلى آلية واضحة تتيح للعراقي المقيم في الخارج أن يدافع عن ملكيته من دون أن يضطر إلى العودة إلى بلد قد يكون تركه أصلاً خوفاً على حياته.

فالعدالة في ملف الملكية لا تعني فقط إعادة بيت إلى صاحبه؛ إنها تعني إعادة الثقة بالدولة.

وإذا كان فرهود 1941 قد بقي جرحاً في الذاكرة العراقية بسبب ما رافقه من قتل ونهب واستباحة لممتلكات اليهود العراقيين، فإن ما حدث بعد 2003 يستحق أن يُدرس بجدية أيضاً، لا بوصفه سلسلة حوادث متفرقة، بل بوصفه ظاهرة سياسية واجتماعية وقانونية تكشف ما يحدث عندما تضعف الدولة، وتتقدم قوة النفوذ على قوة القانون.

فالفرهود ليس أن تمتد يد السارق إلى جيب المواطن فحسب؛ الفرهود الأكبر هو أن تمتد اليد إلى بيته وأرضه ووثيقته، ثم يقال له إن القانون هو الذي فعل ذلك.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *