فناجين الشاي المهيل وصالونات الروح: مجالس بغداد.. ديمومة النور في عاصمة الرشيد- بقلم صبيح الكعبي

حين تستحم بغداد بذاكرتها، لا تكتفي بأسوارها العتيقة، بل تتنفس عبر رئاتها الثقافية المتمثلة بصالونات تألقها. إنها مجالس مصغرة مِن الحرف والوجد، تُبنى بالقصائد والأسئلة الحارقة، لا بالآجر واللبن. وحين تتأمل الذاكرة البغدادية واقعها اليوم، يرتفع النداء بضرورة الالتفات إلى هذه المنصات، وتسليط الضوء عليها لتعود مَدَاراً لتنوير العقول وبوصلةً لصياغة الوعي الجميل.

تنطلق حكاية هذه المجالس مِن عتبات العصر العباسي؛ حيث كانت دور الرصافة والكرخ وحلقات المساجد مِنبَراً للمناظرات الكبرى. ولم ينطفئ هذا السراج، بل امتد عبر عصر النهضة لتحتضن دور رموز كبار مثل الزهاوي والرصافي ومجلس الموسوعي حسين محفوظ برلمانات فكرية غير رسمية، وصولاً إلى صالونات الجواهري وآل الخضيري وعائلة الخطاط هاشم البغدادي؛ لتصبح تلك المجالس المختبر الذي يُصاغ فيه الأدب وتُهذَّب أذواق الأجيال.

وهذا النبض العريق لم تذره الرياح، بل انتقل بحيوية لافتة إلى صالوناتنا المعاصرة في بيوتات بغداد العتيقة، وقاعات المركز الثقافي البغدادي بشارع المتنبي، ومنتديات الذاكرة التي تعقد دوريتها بانتظام. هناك، يلتئم عرس حقيقي يلتقي فيه حماس الشاب المتمرد باتزان وحكمة الشيخ المخضرم، مصداقاً للمثل البغدادي الأصيل: “البيت الواسع يلم العزاز“.

وهذه المجالس لا تُدار ببروتوكولات جافة، بل بإيقاع يشبه عزف العود. يديرها مضيف محب ومايسترو حوار يوزع الأدوار بعدالة، ويتوسط طاولتها ذلك الاستكان الشفاف المعطر بالهيل ليكون صمّام أمان الجلسة ومهدئاً لحدة السجالات بابتسامة ورشفة دافئة. إنها دائرة متساوية الأقطار، الجميع فيها يبدع والجميع يتعلم. إن العناية بهذه المنصات والاحتفاء بأعلامها ليس مجرد توثيق لماضٍ ذهبي، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل الوعي؛ فلنعد الاعتبار لهذه الصالونات، ولنترك فناجين الشاي تدور والحروف تتناثر عشقاً، فما دام في بغداد مجلس ينبض بالكلمة، فستظل مدينة السلام كتاباً مفتوحاً لا ينتهي، ونوراً يشعّ على العالمين:

 

ياضيفنا لو جئتنا لوجدتنا  ///// نحن الضيوف وأنت رب الدارِ 

مالعيش الا ماحلت أرجاؤه /// بين الحروف وريشة الأفكار   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *