الحوثيين والسعودية: حربٌ على الحدود أم صراعٌ على المستقبل؟- بقلم: صبيح الكعبي

حين يتابع المرء الصراع بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، يبدو المشهد للوهلة الأولى مواجهةً غير متكافئة بين دولة تمتلك إمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة، وجماعة مسلحة نشأت في بلد أنهكته الحروب والانقسامات. غير أن هذا التوصيف، على بساطته، لا يكفي لفهم طبيعة الصراع ولا لتفسير طول أمده.

فالسؤال لم يعد فقط: كيف استطاع الحوثيون الصمود أمام التفوق العسكري السعودي؟ بل كيف تحولت جماعة محلية محدودة الإمكانات إلى قوة قادرة على تهديد العمق السعودي، والتأثير في أمن البحر الأحمر، والدخول في حسابات الأمن الإقليمي؟

نشأ الحوثيون في بيئة يمنية معقدة، ثم توسع نفوذهم تدريجيًا حتى دخول صنعاء عام 2014، لتبدأ مرحلة جديدة أصبحوا فيها طرفًا رئيسيًا في معادلة السلطة والحرب. ومع تطور قدراتهم الصاروخية والمسيّرة، انتقلت المواجهة من نطاقها المحلي إلى مساحة أوسع، ولم يعد السلاح وحده معيار القوة. وقد وثقت الأمم المتحدة سيطرة الحوثيين وحلفائهم على صنعاء في سبتمبر 2014، ثم التدخل العسكري الذي قادته السعودية في اليمن في مارس 2015.

ولا يمكن قراءة هذا التحول بعيدًا عن العلاقة مع إيران؛ فالدعم والخبرة والشبكات الإقليمية أسهمت في تطوير قدرات الحوثيين وتعزيز موقعهم، لكن اختزال الجماعة في كونها مجرد أداة إيرانية قد لا يقدم صورة كاملة. فهناك مصالح متبادلة، وحسابات يمنية خاصة، وتداخل بين المحلي والإقليمي.

وفي المقابل، واجهت السعودية معضلة الحرب غير المتكافئة؛ فامتلاك التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج الحسم السياسي. فالمعضلة لا تكمن فقط في امتلاك القدرة على الرد، بل في تحويل هذا التفوق إلى واقع أمني وسياسي مستقر.

غير أن التطور الأخطر في مسار الحرب يتمثل في اتساع القدرة الحوثية على التأثير في باب المندب والبحر الأحمرفاليمن لا يقع على هامش الجغرافيا، بل يقف عند واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وعندما تصبح جماعة مسلحة قادرة على تهديد الملاحة أو التأثير في حركة السفن، فإنها تمتلك ورقة تتجاوز وزنها العسكري والجغرافي، وتفتح الصراع على التجارة الدولية وأمن الطاقة وحسابات قوى دولية بعيدة عن اليمن. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن الاضطرابات في باب المندب والبحر الأحمر يمكن أن تؤثر في حركة الشحن والتجارة الدولية.

وهنا قد يكون باب المندب نقطة تحوّل في مستقبل الحرب؛ لأن انتقال القدرة الحوثية من مواجهة الخصوم إلى التأثير في الممرات البحرية يمنح الصراع بُعدًا دوليًا أكثر خطورة، ويجعل أي تسوية في اليمن مرتبطة بحسابات تتجاوز حدوده.

لكن أخطر ما في المشهد أن اليمن نفسه قد يتحول من دولة تعاني حربًا داخلية إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالسلطة والثروة والهوية وشكل الدولة، كلها قضايا يمنية حقيقية، إلا أن التدخلات الخارجية جعلت الفصل بين الداخل والخارج أكثر صعوبة.

ولهذا فإن الحل العسكري، مهما بلغ أثره، لا يستطيع وحده صناعة السلام. فالقوة قد تغيّر ميزان المواجهة، لكنها لا تعالج الجذور التي أنتجت الصراع.

إن السلام الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الدولة اليمنية قدرتها على احتكار السلاح، وحماية حدودها، واستيعاب مكوناتها السياسية والاجتماعية، وتصبح المصلحة الوطنية أقوى من حسابات الوكلاء والخصوم.

وفي النهاية، لم تعد المواجهة بين السعودية والحوثيين مجرد حرب على الحدود؛ إنها صراع على النفوذ، وعلى مستقبل اليمن، وعلى موازين القوة في الجزيرة العربية والبحر الأحمر.

ويبقى السؤال الأهم:

أيُّ مستقبل سيخرج من تحت أنقاض هذه الحرب، ومن سيكون قادرًا على صياغته؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *