حين تتراجع الدولة وتتقدم العشيرة … من يحكم العراق: القانون أم سطوة السلاح؟ – خليل كارده

 

تبرز في العراق ومنذ فترة ليست بالقصيرة, ظاهرة تستحق الوقوف عندها بجدية, لأنها لم تعد مجرد

امتداد لبعض التقاليد الإجتماعية الموروثة, بل أخذت في بعض الحالات تتحول إلى سلطة موازية

لسلطة الدولة, وربما أقوى منها في بعض المناطق والمواقف. إنها سلطة العشيرة وما يرتبط بها من

الفصل العشائري والثأر والاحتكام إلى السلاح بدلاً من القانون.

لا أحد ينكر أن للعشائر العراقية تاريخاً اجتماعياً طويلاً, وأنها أدت في مراحل مختلفة أدواراً مهمة في

حماية أبنائها وحل النزاعات وحفظ التوازن الاجتماعي, ولا يمكن إلغاء هذا الإرث أو تجاهله.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز العشيرة دورها الاجتماعي لتصبح بديلاً عن الدولة والقضاء والقانون.

فعندما تقع جناية, كجريمة قتل مثلاً, من المفترض في دولة المؤسسات أن تتحرك أجهزة الأمن ويُعتقل

المتهم وتُجري التحقيقات, ثم يُحال إلى القضاء الذي يقرر إدانته أو براءته والعقوبة التي يستحقها وفق

القانون. لكن ما يحدث في بعض الحالات مختلف تماماً. صاحب الدم أو ذوو الضحية قد يلجؤون إلى

عشيرتهم, والعشيرة تتحرك للاقتصاص أو التهديد أو المطالبة ب ( الفصل العشائري) وربما تتوسع

دائرة المسؤولية لتشمل أقارب الجاني وعشيرته. وهنا يصبح السؤال ضرورياً: أين الدولة؟ وأين

القضاء؟ وأين سلطة القانون؟

نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين, والعراق يمتلك دستوراً وبرلماناً وحكومة وقضاءً ومؤسسات

أمنية. فكيف يمكن مع وجود كل هذه المؤسسات أن يبقى محتاجاً إلى قوة عشيرته لحماية حقه

أواسترداده؟ الأخطر من ذلك أن كثيراً من العشائر تمتلك السلاح, كما ينتشرالسلاح خارج الأطر

الرسمية بين شرائح واسعة من المجتمع. وعندما يجتمع السلاح المنفلت مع الثأر العشائري وضعف

هيبة الدولة من أساسه. فالدولة لا تكون دولة إذا كان لكل جماعة قانونها وسلاحها وعقوبتها الخاصة.

ولا يمكن أن تكون هناك دولة مدنية حديثة إذا كان المواطن يخشى عشيرة خصمه أكثر مما يحترم

قانون بلاده. إن العدالة لا يمكن أن تُترك لمن يحمل السلاح ولا يجوز أن تتحول العقوبة من مسؤولية

فردية إلى مسؤولية جماعية. فإذا ارتكب شخص ما جريمة فهو وحده من يتحمل مسؤوليتها أمام القضاء

وليس شقيقه أو ابن عمه أو عشيرته بأكملها. وإلا فإننا نعود إلى دائرة لا تنتهي من الثأر والثأر المضاد

وقد تنتقل الخصومة من جيل إلى جيل.وهنا يجب أيضاً التمييز بين العشيرة كإطار اجتماعي محترم

وبين العشيرة كسلطة قضائية وأمنية موازية للدولة.الأولى جزء من التركيبة الاجتماعية العراقية ويمكن

أن تسهم في المصالحة والسلم الأهلي, أما الثانية فتعني عملياً انتزاع اختصاص الدولة وإضعاف هيبة

القضاء. العراق بحاجة اليوم إلى معادلة واضحة لا تقبل التأويل: السلاح بيد الدولة, والعدالة بيد القضاء

والعقوبة يحددها القانون.

وعلى الحكومة العراقية برئاسة الزيدي أن تتعامل مع هذه الظاهرة بإجراءات قانونية صارمة ومتدرجة

لا تستهدف العشائر ولا مكانتها الاجتماعية وإنما تستهدف حمل السلاح خارج القانون, والتهديد

والاعتداء والثأر والإكراه تحت مسمى الفصل العشائري. كما ينبغي حماية المواطن الذي يلجأ إلى

القضاء من أي ضغط أو تهديد يجبره على التخلي عن حقه القانوني.

وفي المقابل يمكن لشيوخ العشائر ووجهائها أن يكونوا جزءاً من الحل لا المشكلة, عبر دعم سلطة

القانون والمساعدة في المصالحات الاجتماعية بعدأن يقول القضاء كلمته, لا أن يحل العرف محل

القضاء. إن استمرار ازدواجية السلطة بين الدولة والعشيرة يضعف الاثنين معاً, ويجعل المواطن حائراً

إلى من يلجأ عند وقوع الجريمة إلى مركز الشرطة أم إلى شيخ العشيرة؟

العراق دفع ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية من الحروب والفوضى وانتشار السلاح. وقد اَن الأوان

للخروج من منطق(اَخذ حقي بيدي) إلى منطق ( القانون يأخذ لي حقي) .

وإذا أراد العراق بناء دولة مدنية حقيقية فلا بد أن تبدأ الخطوة الأولى من استعادة هيبة القانون, لأن

الدولة التي لا تستطيع حماية حق مواطنها بالقانون, ستتركه يبحث عن الحماية في مكان اَخر.

 

خليل كارده

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *