من أفقر إيران العقوبات أم نظام ولاية الفقيه؟ 5/8 – د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية –

 

ولكن أين أصبحت إيران اليوم؟

لكن الإمكان شيء، والواقع الذي انتهت إليه إيران شيء آخر يكاد يكون نقيضه. فحين نضع جانبًا للحظة صورة إيران التي كان يمكن أن تكون عليها اليوم بما تملكه من ثروات وموقع وقوة بشرية، ثم ننظر إلى إيران القائمة فعلًا، تصبح المقارنة أكثر إيلامًا من أي إدانة سياسية.

فأين أصبحت إيران اليوم؟ وكيف يعيش شعبها بعد قرابة نصف قرن من قيام نظام ولاية الفقيه؟

إيران ليست دولة فقيرة بالموارد حتى نبحث عن أسباب أزمتها في الطبيعة أو الجغرافيا. إنها تملك ثالث أكبر احتياطي نفطي تقريبًا، وثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، إضافة إلى ثروات معدنية وزراعية واسعة، وموقع جغرافي يكاد يكون استثنائيًا بين الخليج وبحر قزوين والقوقاز وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، وسوق داخلية تقترب من تسعين مليون نسمة، وقوة بشرية ذات مستوى تعليمي مرتفع.

ومع ذلك تدخل عام 2026 وهي تعاني انكماشًا اقتصاديًا، وتضخمًا حادًا، وعملة فقدت القسم الأكبر من قيمتها، ونقصًا في الكهرباء والغاز والماء، وتراجعًا في الاستثمار، واضطرابًا في التجارة، وحصارًا يتسع كلما اتسعت دائرة الصراع.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا: ليس ماذا تملك إيران، بل ماذا فعل النظام بكل ما تملكه إيران؟

والنفط يقدم الصورة الأكثر وضوحًا. فقبل ثورة 1979 كانت إيران تنتج في المتوسط أكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا بين 1972 و1978، وتجاوز إنتاجها ستة ملايين برميل يوميًا عام 1974. وبعد قرابة نصف قرن

لم تستطع الجمهورية الإسلامية العودة إلى ذلك المستوى، رغم التطور الهائل الذي شهدته تكنولوجيا استخراج النفط في العالم. فقد بلغ إنتاج الخام نحو 2.9 مليون برميل يوميًا في 2023، بينما تقدر قدرة إيران الإنتاجية، مع رفع القيود والاستثمار والتكنولوجيا المناسبة، بمستويات أعلى بكثير.

أي إن النفط لم يختفِ من باطن الأرض، وإنما تراجعت قدرة الدولة على تحويله إلى قوة اقتصادية تتناسب مع حجمه.

ثم جاءت الحرب والحصار لتكشفا هشاشة المصدر الذي تعتمد عليه الدولة للحصول على العملة الصعبة. كان متوسط صادرات النفط الإيراني في 2025 يقارب 1.67 مليون برميل يوميًا، لكن القيود على الملاحة والحصار خلال الحرب أسقطت الصادرات في أيار/مايو 2026 إلى قرابة ربع مليون برميل يوميًا، قبل أن ترتفع مجددًا عندما خُففت بعض القيود.

وتكشف هذه التقلبات مأزقًا أعمق من مجرد رقم الصادرات: دولة تجلس فوق واحد من أكبر احتياطيات النفط في العالم تستطيع خلال أسابيع أن تنتقل من تصدير أكثر من مليون برميل يوميًا إلى العجز عن إيصال إنتاجها بصورة منتظمة إلى الأسواق.

وفي الغاز تصبح المفارقة أكثر إثارة. إيران تمتلك نحو 16% من الاحتياطيات العالمية المثبتة للغاز الطبيعي، وأنتجت نحو 9.4 تريليونات قدم مكعبة في 2023، لكنها استهلكت داخليًا نحو 8.9 تريليونات، بينما بقيت صادراتها في حدود 515 مليار قدم مكعبة، معظمها إلى العراق وتركيا.

إنها ثاني أكبر دولة في العالم من حيث احتياطي الغاز، لكنها ليست قوة عالمية في تجارة الغاز المسال.

والسؤال هنا ليس تقنيًا فقط: كيف استطاعت دول أصغر بكثير في السكان والمساحة والاحتياطي أن تبني صناعات LNG بمئات المليارات، بينما بقيت إيران عاجزة عن تحويل واحدة من أضخم ثرواتها إلى شبكة تصدير عالمية؟

العقوبات جزء من الجواب، لكن العقوبات نفسها لم تهبط على إيران من فراغ. ونقص التكنولوجيا جزء من الجواب، لكن لماذا أُغلقت أمام إيران أبواب التكنولوجيا والاستثمار طوال هذه العقود؟

وتصل المفارقة إلى حد أن إيران أحرقت أو نفّست نحو 721 مليار قدم مكعبة من الغاز في 2023، في الوقت الذي تعاني فيه صناعاتها ومنازلها من نقص الطاقة. ومنذ 2020 أصبحت الانقطاعات الكهربائية الصيفية ظاهرة متكررة، ووصل العجز بين الطلب والقدرة المتاحة في صيف 2023 إلى نحو 12 غيغاواط.

دولة تجلس فوق بحر من النفط والغاز، ويعاني مواطنوها والمصانع فيها من نقص الكهرباء والطاقة؛ ربما يصعب إيجاد صورة أكثر اختصارًا لما حدث.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

3/8/2026 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *