أنت في قلبي: صرخة الثقافة في عراق ما بعد 2003- بقلم صبيح الكعبي 

حين انجلَى غبارُ عام ألفين وثلاثة، ظنَّ الكثيرون أن عهدًا جديدًا قد أشرق بوعود البناء والازدهار؛ عهدًا تتنفّس فيه الثقافة العراقية عبيرًا يليق بألقها التاريخي، وتجد الفنون والآداب الفسحة التي طالما حُرمت منها في سنوات القهر والحروب. لكن الواقع جاء مخالفًا للتصورات؛ فبدل أن تنال الثقافة الرعاية التي تليق بتاريخ بلاد الرافدين، وجدت نفسها في مواجهة إهمالٍ مُرّ، وتفريطٍ ممتد، وغيابٍ حقيقي لمختلف أشكال الدعم الحكومي.

ولم يقف هذا الإهمال عند حدود التغافل عن البنى التحتية، أو اندثار أكثر من ثمانين بالمائة من صالات السينما العريقة في بغداد ومدن العراق؛ فسينما السندباد، والنصر، وأطلس، والخيام، وغيرها من دور العرض التي كانت جزءًا من ذاكرة بغداد، غابت أو خفت حضورها، كما تهاوت مسارح الرشيد والنجاح ومسرح الفن الحديث، وانكمشت المنتديات التي كانت تستقبل المبدعين وأهل الثقافة. وامتد الإهمال إلى الكُتّاب المتخصصين في كتابة المسلسلات والأعمال الدرامية؛ أولئك الذين انكفؤوا في ظل هذا الجليد الصاقع، بلا إنتاج أو عمل فني متميز يترجم هموم الشارع. ولم يسلم الفنانون من هذا الجحود؛ فكم من فنانٍ كبير ألبسه النسيان ثوب الذُّل والحاجة، بعد أن أفنى عمره في خدمة فنه ووطنه.

ومع ذلك، تراهم شامخين كالنخيل، يبذلون ما بقي من أرواحهم لتقديم البدائع، رغم شحّ الإمكانات وقسوة التهميش؛ مؤثرين البقاء في ذاكرة الإبداع على الاستسلام للواقع. فالمسرح الذي أُغلقت أبوابه، والمنتدى الذي خفت صوته، والكتاب الذي غاب عن رفوف المكتبات، ودور السينما التي انطفأت شاشاتها، واللوحة التي لم تجد معرضًا يحتضنها؛ كلها لم تستطع أن تطفئ جذوة الإبداع في نفوس أصحابها.

وحين ننظر إلى هذا الصمود الأسطوري، يتبادر إلى الذاكرة قول الشاعر عبد الرحيم محمود:

سَأحْمِلُ رُوحِي عَلَى رَاحَتِي
وَأُلْقِي بِهَا فِي مَهَاوِي الرَّدَى
فَإِمَّا حَيَاةٌ تُسِرُّ الصَّدِيقَ
وَإِمَّا مَمَاتٌ يُغِيظُ العِدَى

وهكذا تظل النصوص الغائبة، واللوحات المنسية، والمسارح المعطلة، والمنتديات الصامتة، تهتف بصوت الحب الوحيد لهذا الوطن المجروح:

«رغم كل الخراب… أنت في قلبي».

فإهمال الثقافة وأهلها ليس تقصيرًا عابرًا، بل خطر يستهدف هوية أمة بأكملها؛ فالأمم لا تُبنى بالعمران وحده، وإنما بما تحفظه من ذاكرة، وما تنتجه من فكر وفن وأدب. وحين تُغلق المسارح، وتغيب الكتب، وتنطفئ شاشات السينما، وتضيق المساحات أمام المبدعين، فإننا لا نفقد أماكن للفن فحسب، بل نفقد جزءًا من روح العراق.

لذلك فإن إنقاذ المشهد الثقافي لم يعد ترفًا، بل واجبًا يبدأ بإعادة إعمار الذاكرة، ودعم الكتاب والمكتبات، وإحياء المسارح والمنتديات، وإنصاف الرواد، وفتح الأبواب أمام جيل جديد من المبدعين؛ لتبقى الثقافة روح العراق، ويبقى العراق، رغم كل ما مرّ به، قادرًا على أن يقول للعالمما زلتُ أحبُّ الحياة، وما زالت الثقافة في القلب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *