كوباني … من وجع الدم إلى قوة القانون – محمد ديب أحمد

كوباني ليست مدينة عادية في الذاكرة الكوردية .
مدينة تعرفت على الآلام والدمار والشهداء قبل كل مدننا المكلومة في وطننا المثخن بالآلام والجراح ، وعاشت الحرب وهي تنظر إلى الموت في عيون أبنائها ، ثم دفعت ثمن بقائها حرة من دم شبابها .
لذلك ليس غريباً أن يكون للألم في كوباني صوت أعلى من غيرها . وربما كان قدر هذه المدينة أن تتصدر المشهد في المواقف الصعبة ، وأن تدفع في كل مرة ثمناً لا يُستهان به .
 إنها مدينة تتنفس بالدمع وتتغنى بالألم ، لكنها ، رغم كل ما مر بها ، بقيت واقفة وصامدة .
لهذا فإن ما شهدته كوباني ، ولا سيما ليلة حريق السجن وما رافقها من ضحايا وغضب واحتجاجات ، لا يمكن أن يُقرأ باعتباره مجرد حادث عابر .
ومقتل المقاتل الكوردي سامي شيخموس «سيبان» بالطريقة الإرهابية والبشعة التي قُتل بها ، وما أثاره ذلك من ألم وغضب ، أضاف جرحاً جديداً إلى ذاكرة مثقلة أصلاً بالدم والألم .
ومن حق عائلة سيبان أن تعرف كيف قُتل ابنها ولماذا . ومن حق الناس أن يعرفوا الحقيقة ، ومن حق الجميع أن يطالب بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته ، وإنزال أشد العقوبات بحقه وفق القانون . هذا حق لا يحتاج إلى تبرير .
وفي كوباني ، وفي ليلة حريق السجن ، كان المشهد أكثر إيلاماً من أن يُختصر في سطور .
ضحايا سقطوا بين ألسنة النار والدخان ، وأهالٍ تلقوا خبراً ثقيلاً لا يمكن للكلمات أن تخفف من وقعه .
 نتقدم إلى ذوي الضحايا بأصدق مشاعر العزاء ، ونشعر بحجم الألم الذي تركته هذه الفاجعة في نفوسهم وفي نفوس الناس .
أما ما رافق ذلك من غضب واحتجاجات ، فهو نتيجة طبيعية لمجتمع تلقى هذا الكم من الألم .
لكن الألم ، مهما كان قاسياً ، لا ينبغي أن يتحول إلى قانون بديل .
نتفهم الغضب في كل مناطقنا ، ونعرف أيضاً أن ما عاشته كوباني بالذات خلال سنوات الحرب يجعل الألم فيها مختلفاً .
وربما لا يحق لمن لم يعش تلك التجربة أن يطلب من أهلها أن يتعاملوا مع وجعهم وكأنه حادث عابر .
لكن فهم الغضب لا يعني قبول كل ما قد ينتج عنه .
الاحتجاج حق ، ورفع الصوت حق ، والمطالبة بالعدالة حق . أما محاولة أخذ الحق باليد ، فذلك أمر مختلف تماماً .
لأننا إذا قبلنا أن يأخذ كل صاحب مظلمة حقه بيده ، فمن الذي سيحكم بين الناس؟
وإذا أصبح الغاضب هو القاضية، والمنفذ هو نفسه صاحب القضية ، فماذا يبقى من القانون ؟
هنا لا نتحدث عن نصيحة للناس ، بل عن مسألة تتعلق بمستقبل مجتمع بأكمله .
الكورد الذين عانوا طويلاً من غياب العدالة ومنطق القوة ، لا يمكن أن يقبلوا بأن يصبح منطق القوة نفسه وسيلة دون القانون والدولة  لحل المشاكل  .
نحن نطالب بدولة تحمي حقوقنا ، ومؤسسات تحقق في الجرائم ، وقضاء يحاسب من يثبت تجاوزه ، وأجهزة أمنية نمنحها فرصة العمل وفق القانون .
وإذا كنا نريد هذه الدولة ، فلا يمكن أن نأخذ مكانها عندما نغضب .
نحن نطالب الدولة بأن تقوم بواجبها ، وفي الوقت نفسه نرفض أن نقوم نحن بدور الدولة .
الدولة المطلوبة اليوم ليست دولة تطلب من الناس الصمت ، ولا دولة تغطي الأخطاء باسم الاستقرار . الدولة التي نريدها هي التي تسمع الألم ، وتكشف الحقيقة ، وتحمي الضحية ، وتحاسب المسؤول ، وتمنع تكرار الجريمة .
ولهذا فإن المسؤولية لا تقع على الناس وحدهم .
على المؤسسات والإدارة والقوى السياسية أن تدرك أن الغضب لا يولد دائماً من فراغ .
 أحياناً يكون نتيجة تراكم الأسئلة ، وضعف الثقة ، وتأخر الإجابات .
وأفضل وسيلة لتهدئة الشارع ليست أن نقول له «اهدأ» ،
 بل أن نعطيه سبباً للثقة :
تحقيق شفاف .
حقائق واضحة .
مسؤوليات محددة .
ومحاسبة عادلة لكل من تثبت إدانته ، بلا انتقام ولا محاباة .
ولا ينبغي أن تتحول المحاسبة إلى موضع شفقة إذا ثبتت المسؤولية . فالعدالة ليست انتقاماً ، لكنها أيضاً ليست تساهلاً .
من يتجاوز القانون يجب أن يتحمل نتيجة ما فعل ، أياً كان موقعه .
فإذا تحول المجتمع إلى مكان يأخذ فيه كل إنسان حقه بيده ، فلن نكون أمام دولة ، بل أمام غابة ، وسيصبح قانون المشاع هو القانون السائد . وعندها لن يكون أحد آمناً ، حتى أولئك الذين ظنوا أنهم انتصروا في لحظة غضب .
كوباني دفعت من دم أبنائها ما يكفي .
ولا ينبغي أن يتحول هذا الدم إلى وقود لصراع جديد .
والقضايا الوطنية لا تحتاج إلى الفوضى كي تثبت عدالتها ، ولا تحتاج إلى التخريب كي تثبت غضبها .
 ما تحتاجه هو أن تتحول تضحيات أبنائها إلى حقوق محمية بالقانون ، وإلى مؤسسات يثق بها الناس ، وإلى دولة يعرف فيها المواطن أن دمه ليس رخيصاً ، وأن كرامته ليست قابلة للتفاوض .
ربما لا نستطيع تغيير ما حدث ، لكننا نستطيع أن نقرر ماذا سيحدث بعده .
نستطيع أن نطالب بالحقيقة دون أن نحرق الطريق إليها ، وأن نطالب بالعدالة دون أن نتحول إلى أدوات للانتقام .
الغضب مفهوم ، والألم لا يحتاج إلى إذن كي يكون مشروعاً .
لكن الحقوق لا تُؤخذ بالصواعد ، بل بقوة القانون .
وهنا ، ربما يكون الاختبار الحقيقي لكوباني وكل مناطقنا :
 أن تثبت مرة أخرى أن كوباني ، ومعها مدننا ، عرفت كيف تصمد أمام الحرب ، وتستطيع أيضاً أن تنتصر على الفوضى ، وأن تجعل من وجع الدم بدايةً لقوة القانون .
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *