قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]
الحكم؛ حيث تبتعد بوصلة البناء الوطني عن مقاصدها الجامعة لتستقر في زوايا الحسابات الفئوية. فبينما تتطلع الجماهير إلى دولة مؤسسات صلبة يحكمها القانون، ويكون فيها حصر السلاح بيد الدولة حقيقة موجبة لا خياراً مؤجلاً، تُستهلك الطاقات السياسية في صراعات المحاصصة وتوزيع المغانم، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أقصى درجات التماسك والهدوء لمواجهة التحديات الداخلية والإقليمية.
ويتجلى هذا المشهد القاتم في عمق البيت الشيعي داخل “الإطار التنسيقي”؛ إذ كشفت التباينات بين ائتلاف دولة القانون وعصائب أهل الحق عن تصدع التوافقات الكلاسيكية. فالتحالف الوثيق الذي أرسى تفاهمات مرحلية سابقاً، اصطدم باستحقاقات الحقائب والمناصب السيادية؛ كموقع نائب رئيس الجمهورية ووزارة الداخلية، واللذين تجسدت ملامح الخلاف فيهما عبر تعطيل التصويت لمرشح دولة القانون قاسم عطا، والاعتراض على فكرة توسيع مناصب نواب رئيس الوزراء. ولم تقف الأزمة عند الغرف المغلقة، بل انتقلت للشاشة لتغدو عرصة للتراشق؛ بدءاً من رسالة المالكي للإعلاميين بضرورة توخي الدقة وتجنب التناقضات، وصولاً إلى اللقاء المباشر للشيخ قيس الخزعلي مع مقدمي البرامج الأربعة لاختراق المشهد ورسم معالم نفوذه وحساباته المستقبلية.
ولا يبتعد البيت الكردي عن هذا المنزلق؛ إذ يواجه بدوره انقساماً متجدداً بين الحزبين الرئيسين، الديمقراطي والاتحاد الوطني، حيث استحال التنافس حول وزارات خدمية وفي مقدمتها وزارة الإعمار والإسكان إلى عقدة تؤزم التكامل الوطني. وحتى بين المكون المسيحي عن وزارة الهجرة والمهجرين ولم يقف أثر هذا النزاع المحتدم عند حدود المناكفات، بل ارتد كابحاً لعملية التوافق الوطني؛ ليكون سبباً مباشراً في عرقلة تشكيل الحكومة، وتأخير إكمال الكابينة الوزارية، وإبقاء مؤسسات الدولة المأزومة في حالة تعطيل واستنزاف دائم.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لمصلحة من يستمر هذا التشظي؟ إن تغليب المصالح الحزبية لا يخدم سوى الجهات المتربصة بسيادة العراق واستقراره. وتقتضي المعالجة الرشيدة إدراكاً حقيقياً لخطورة النزاع، يبدأ بتغليب منطق “الدولة المواطنة”، والانتقال الفعلي من المحاصصة إلى هيبة الدستور، ليغدو السلاح حكراً على الشرعية الرسمية وحدها.
إن الأوطان لا تُبنى بالخصومات ولا تستقيم بالصراع على السلطة والنفوذ، بل بحكمة القادة الذين يقدمون المصلحة العامة على المكاسب العابرة، ليبقى التلاحم هو المظلة الوحيدة لحماية مستقبل البلاد من الضياع.
تَأْبَى الرِّمَاحُ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّرًا … وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ آحَادَا
لا يُصْلِحُ النَّاسَ فَوْضَى لا سَرَاةَ لَهُمْ … وَلا سَرَاةَ إِذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا

