مستقبل الكورد في خارطة الشرق الأوسط الجديد – خليل كارده

 

لم يعد السؤال اليوم هل سيتغير الشرق الأوسط؟ فالتغيير بدأ فعلاً وما نشهده من حروب وصراعات وتحالفات جديدة وتراجع أدوار قوى وصعود أخرى ليس سوى مقدمات لمرحلة مختلفة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة. لكن السؤال الأهم بالنسبة للكورد هو أين سيكون الكورد في خارطة الشرق الأوسط الجديد؟ وهل سيكونون جزءاً من عملية صناعة هذه الخارطة,أم مجرد ورقة تستخدمها القوى الإقليمية والدولية ثم تتخلى عنها عندما تنتهي مصالحها؟

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن القضية الكوردية أصبحت أكثر حضوراً في الحسابات الدولية. ففي سوريا كان الكورد لاعباً أساسياً في الحرب على تنظيم داعش ثم دخلت مناطقهم في مرحلة جديدة بعد الاتفاقات الأخيرة مع دمشق وانتهاء الوجود المستقل لقوات سوريا الديمقراطية واندماجها في مؤسسات الدولة السورية. وهذه التطورات تحمل للكورد فرصاً ومخاطر في الوقت نفسه لأن انتهاء مرحلة السلاح لا يعني بالضرورة انتهاء القضية الكوردية,بل ينقلها من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي و الدستوري.

أما في العراق فإن إقليم كوردستان يقف أمام مرحلة أكثر تعقيداً. فالتوازن الذي نشأ بعد عام 2003 يتعرض لضغوط سياسية واقتصادية وأمنية,بينما تتزايد أهمية العراق بالنسبة إلى تركيا وإيران والقوى الدولية. كما أن مشاريع الطرق والطاقة والتجارة والممرات الإقليمية قد تجعل جغرافية كوردستان أكثر أهمية, ولكنها في الوقت نفسه قد تجعلها ساحة تنافس بين القوى المختلفة.

جغرافية كوردستان قد تكون ثروة استراتيجية, لكنها يمكن أن تتحول أيضاً إلى نقطة ضعف إذا بقى القرار الكوردي منقسماً. فالكورد يمتلكون موقعاً جغرافياً مهماً وموارد طبيعية وقوة بشرية وتجربة سياسية وقوات عسكرية وعلاقات دولية تراكمت خلال عقود. لكن كل هذه الإمكانات لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية مالم توجد رؤية مشتركة ومؤسسات قوية وموقف كوردي موحد تجاه المتغيرات الإقليمية.

إيران الفرصة والخطر, في إيران أيضاً دخلت القضية الكوردية مرحلة حساسة للغاية. فالحرب والتوترات الإقليمية الأخيرة أعادت المعارضة الكوردية الإيرانية إلى دائرة الاهتمام لكنها في الوقت نفسه جعلت مناطق وجودها أكثر عرضة للاستهداف والصراع. وهنا يجب أن يتعلم الكورد من التجارب السابقة. لا ينبغي أن يتحول الكورد إلى جنود بالوكالة لأي قوة إقليمية أو دولية. فالاعتماد على وعود الخارج وحده قد يمنح مكاسب مؤقتة لكنه لا يبني مستقبلاً وطنياً ثابتاً, لقد أثبت التاريخ أن الدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها, وعندما تتغير المصالح يمكن أن تتغير السياسات في ساعات.

الكورد بحاجة إلى علاقات دولية قوية نعم, ولكن علاقاتهم يجب أن تقوم على المصالح المتبادلة والندية السياسية وليس على التبعية أو انتظار الحماية الخارجية.

تركيا مرحلة مختلفة, تركيا نفسها تمر بمرحلة إعادة حسابات تجاه القضية الكوردية, ومسار الحوار والتسوية مع حزب العمال الكوردستاني, إلى جانب التطورات في سوريا والعراق, يعني أن الملف الكوردي أصبح جزءاً من إعادة ترتيب الدور التركي في المنطقة. وهذه نقطة تاريخية مهمة, فإذا انتقلت تركيا فعلاً من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق الحل السياسي فقد تكون أمامنا بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين الدولة التركية والكورد, لكن نجاحها سيقاس ليس بالكلمات ولا بنزع السلاح فقط وإنما بمدى الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية والديمقراطية للكورد.

وماذا يريد الكورد من الشرق الأوسط الجديد؟ لا أعتقد أن المطلوب من الكورد أن ينتظروا إعلان دولة كوردية من عاصمة أجنبية. المطلوب أولاً أن يمتلك الكورد مشروعاً سياسياً واضحاً, مشروعاً يقوم على الوحدة السياسية الكوردية, والديمقراطية وتقوية المؤسسات وتوحيد الموقف الدبلوماسي وتنمية الاقتصاد وحماية الأمن وبناء علاقات متوازنة مع دول المنطقة والمجتمع الدولي. فالشرق الأوسط الجديد لن ينتظر الكورد حتى يتفقوا. إذا اتفقوا يمكن أن يصبحوا أحد الأطراف التي تشارك في صناعة المرحلة الجديدة. أما إذا استمرت الانقسامات الكوردية فقد يصبح الكورد مرة أخرى مجرد ساحة تتصارع فوقها الدول ومجموعة أوراق تستخدمها القوى المتنافسة لتحقيق مصالحها.

الشرق الأوسط الجديد والكورد أمام الاختبار, ربما تكون المرحلة القادمة أصعب من المراحل السابقة لكنها في الوقت نفسه فقد تكون أكثر المراحل أهمية في التاريخ الكوردي الحديث. القوى الكبرى تعيد ترتيب مصالحها, وتركيا تعيد تعريف دورها, وإيران تواجه تحديات كبيرة, وسوريا تعيد بناء نظامها السياسي, والعراق يبحث عن توازن جديد, ودول الخليج أصبحت أكثر اهتماماً بأمنها الإقليمي, بينما تتراجع التحالفات القديمة وتظهر تحالفات جديدة.

وفي وسط كل ذلك يقف الكورد, إما أن يكونوا طرفاً في صناعة الشرق الأوسط الجديد, أو يكونوا مرة أخرى موضوعاً من موضاعات هذا التغيير. وهذا يتوقف قبل كل شيء على الكورد أنفسهم فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى المزيد من الانقسامات ولا إلى المزيد من الصراعات بين الأحزاب الكوردية ولا إلى انتظار المنقذ الخارجي. إنها تحتاج إلى عقل سياسي جديد يقول بوضوح نريد علاقات جيدة مع الجميع لكننا لا نكون تابعين لأحد, نحترم مصالح الدول لكننا نريد من الآخرين احترام حقوق شعبنا.

نرفض أن نكون أداة في صراعات الآخرين ونريد أن نكون قوة سياسية تصنع قرارها بنفسها.

ماذا سنفعل نحن بأنفسنا عندما تبدأ لحظة رسم الخارطة رسم الخارطة الجديدة؟

فهذه المرة يجب ألا يكون الكورد مجرد خطوط على الخارطة …

بل يجب أن يكونوا من الذين يرسمونها, ويمتلكوا مشروعاً يجعلهم طرفاً في صناعة التغيير.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *