الحقيقة المغيبة لمجزرة “صوريا” 1969: دماء مسيحية وكردية اختلطت في زريبة الموت- بقلم: الكاتب داود السليفاني (مقتطفات وتصحيحات من كتاب “الأيام السوداء”)

في صبيحة السادس عشر من أيلول/ سبتمبر عام 1969، أقدم نظام حزب البعث في العراق على ارتكاب أولى مجازره الوحشية ضد المدنيين العزل في قرية “صوريا” (التابعة لعشيرة السليفاني غرب زاخو). وتأتي هذه السطور لإيقاظ واحدة من المذابح المنسية في التاريخ العراقي، ولإحقاق الأمانة التاريخية وتصحيح مغالطات تاريخية وقع فيها بعض الكتاب؛ ومنهم الكاتب السوداني شوقي بدري.
تفاصيل المأساة: حقد فاشي أباد قرية آمنة
إثر انفجار لغم أرضي على بعد عدة كيلومترات من قرية “صوريا” دون وقوع أي إصابات أو أضرار في الآليات العسكرية، أقدم الملازم الثاني (عبد الكريم خليل الجحيشي) —مساعد آمر السرية الثانية في الفوج 23 التابعة للفرقة الرابعة— بتطويق القرية من جميع الجهات بدافع الحقد والانتقام الأعزل.
اقتيد أهالي القرية كالمواشي إلى داخل زريبة كبيرة بطلب من الضابط الفاشي. ولم تشفع توسلات راعي الكنيسة القس حنا يعقوب قاشا (الذي كان في زيارة للقرية)، ولا توسلات مختار القرية خمّو مروكيل. فتح الجحيشي وجنوده نيران رشاشاتهم دون تمييز، لتسقط “ليلى” ابنة المختار شهيدة أولى بعد أن حاولت انتزاع فوهة السلاح من يد الضابط، ليلحق بها القس والمختار وعشرات النساء والأطفال.
أسفرت هذه الجريمة النكراء عن سقوط 42 شهيداً وإصابة 36 جريحاً (وفقاً لعريضة الشكوى الرسمية المقدمة عام 2005 إلى محكمة الجنايات العليا في العراق)، فيما وثقت مذكرات الزعيم الكردي الراحل مصطفى البارزاني الموجهة للأمم المتحدة سقوط 97 مواطناً بين قتيل وجريح، بعد أن قذف الجنود الأطفال الرضع في النهر، وتركوا جثث الضحايا لثلاثة أيام نهباً للطيور الكاسرة والكلاب السائبة، بالتزامن مع نهب البيوت وحرقها بالكامل.
ردّ وتصحيح على الكاتب شوقي بدري: لأجل الأمانة التاريخية
ذكر الكاتب شوقي بدري في مقالاته التي وصف فيها أحداث مجزرة صوريا: “بأن أهالي القرية فلاحون مسيحيون ليس لهم دراية باستعمال السلاح”. وهنا يكمن لغط كبير وإغفال (قد يكون غير متعمد أو ناتجاً عن الجهل بجغرافية وديموغرافية المنطقة).
والحقيقة التاريخية والدستورية الموثقة التي نوردها هي:
  1. هوية القرية المختلطة: إن قرية “صوريا” لم تكن قرية مسيحية خالصة، بل كانت قرية مختلطة يتقاسمها الكلدوآشوريون المسيحيون وإخوانهم الكرد المسلمون.
  2. امتزاج الدماء: لقد اختلطت دماء المسيحيين والمسلمين معاً في تلك الزريبة المقيتة، واستشهد من المسلمين عائلات كاملة نعلمها وتربطنا بها معرفة وثيقة، مثل عائلة (محو حسين باتيلي) —شقيق زوجة عمي علي آغا— والذي نجا بأعجوبة مع زوجته بعد أن أُصيب بشلل في أصابعه، لكنه فقد في المجزرة ثلاثاً من بناته في زهرة شبابهن وهن: (ميران، وغريبة، وسيران).
  3. الوثائق الرسمية: تؤكد الوثيقة رقم (3) من كتابنا (الأيام السوداء)، والتي تضم القوائم الرسمية لأسماء الضحايا من الشهداء والجرحى، هوياتهم الدينية والقومية، وتثبت بالدليل القاطع أن الفاشية البعثية لم تفرق بين كردي مسلم ومسيحي كلداني، بل استهدفت الإنسانية والتعايش السلمي في هذه المنطقة البائسة.
إننا إذ نكتب هذا التعقيب، لا نبتغي التقليل من قلم الكاتب شوقي بدري أو الطعن في نواياه النبيلة في إدانة الديكتاتورية، بل نكتبه لإرساء مرجع صحيح وصادق أمام الباحثين والقراء وأجيال المستقبل. فالتاريخ لا يرحم، ودماء شهداء “صوريا” من المسيحيين والمسلمين ستبقى شاهدة على قسوة الجلاد وعمق الروابط الأخوية التي عُمدت بالدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *