لا تُختزل التحولات الجارية في الشرق الأوسط في المواجهة مع إيران أو احتواء الجماعات الجهادية؛ فإيران ليست مركز الصراع، بل رأس حربته الإقليمية ضمن مواجهة أوسع تخوضها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد الصين وروسيا. وفي هذه المواجهة لا تُقاس القوى بعقائدها، بل بالوظائف التي تستطيع تأديتها؛ لذلك تعيد واشنطن تأهيل جماعات حاربتها سابقًا، ما دامت قابلة للتطويع والاستخدام ضد خصوم أكبر.
لم تقضِ واشنطن على البنية الجهادية، بل أعادت فرزها؛ فالجزء القابل للتطويع يُدمج داخل الدولة، والرافض يُلاحق أو يُدفع إلى الهامش، فيما تنتقل القيادات الأقدر على تبديل جلدها من قوائم الإرهاب إلى المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية والدينية.
بدأت ملامح هذه الاستراتيجية في أفغانستان، حين عادت طالبان إلى الحكم بعد الانسحاب الأميركي، فأصبحت قوة سنية عقائدية على حدود الصين، وفي قلب المجال الممتد نحو دول آسيا الوسطى الواقعة ضمن دائرة النفوذ الروسي. ثم تكررت الصيغة في سوريا، حيث انتقلت هيئة تحرير الشام من تنظيم محاصر إلى سلطة تتعامل معها الدول، وتحول الجولاني إلى الشرع. لم يكن ذلك مجرد تبديل أسماء، بل نقلًا لقوى جهادية من خارج النظام الدولي إلى داخله، وإخضاعها لشروط الاعتراف والتمويل والحدود السياسية.
وفي هذا السياق يُفهم التعامل الجديد مع داعش. لم يعد التنظيم مطلوبًا بوصفه «دولة خلافة» تحتل المدن، بل مخزونًا بشريًا وعسكريًا وعقائديًا يجري تفكيكه وإعادة توزيع القابل منه للتوظيف داخل مؤسسات تحمل أسماء وصفات رسمية. فقد تبيّن أن إسقاط دولة داعش أسهل من تفكيك المجتمع العقائدي الذي أنتجها، وأن احتواء هذا المجتمع أقل كلفة من استمرار حرب مفتوحة ضده.
لكن الغاية لا تتوقف عند ضبط الجهاديين، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة المجال السني وبناء حزام مقابل للمجال الذي تقوده إيران. فبقدر ما تعزز الصين وروسيا علاقاتهما مع طهران، وتستفيدان من نفوذها وأدواتها في العراق ولبنان وسوريا واليمن، تعيد واشنطن تنظيم القوى السنية، من طالبان في أفغانستان إلى السلطة الجديدة في سوريا، مرورًا بالدول والتنظيمات المؤهلة للانضمام إلى الاصطفاف الجديد.
ومن هنا تكتسب اتفاقية مكة، والتحركات السياسية والأمنية بين العواصم السنية، والاجتماعات المرتقبة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، معنى يتجاوز ظاهرها. وقد يأتي اجتماع ترامب مع عدد من قادة العالم السني، ضمن تثبيت جبهة إقليمية لموازنة إيران، ومن خلفها النفوذين الصيني والروسي.
لا تريد الولايات المتحدة خوض جميع الحروب بنفسها، بل إعادة توزيع أدوارها على قوى إقليمية تتحمل العبء العسكري والبشري، بينما تحتفظ هي بإدارة التوازنات والتمويل والتكنولوجيا والغطاء السياسي. وبعد استكمال هذه البنية، قد تخفض إدارة ترامب مستوى الحرب المباشرة مع إيران، وتنقل المواجهة إلى صراع طويل بين مجال سني يعاد تنظيمه ومجال شيعي تقوده طهران.
غير أن المذهبية لن تكون سوى الغطاء المحلي لصراع دولي أكبر؛ فالقوى السنية والشيعية ستقاتل على الأرض، بينما تتحكم القوى الكبرى بمسارات الحرب ونتائجها. تستخدم الصين قوتها الاقتصادية واستثماراتها في الطاقة والممرات الدولية، وتتعامل مع إيران بوصفها عقدة استراتيجية في تمددها غربًا، فيما تستفيد روسيا من موقعها وأذرعها لتثبيت حضورها العسكري والسياسي. وفي المقابل، تعيد واشنطن تأهيل قوى سنية وتوزيعها على خطوط التماس مع خصومها.
والصراع لم يعد عسكريًا أو جغرافيًا فحسب؛ فالقوة العالمية تصنعها أيضًا الشركات الخوارزمية العملاقة التي تسيطر على الذكاء الاصطناعي والرقائق والبيانات والمنصات الرقمية وأنظمة الاتصال والتمويل والتوجيه العسكري. ولم تعد هذه الشركات ملحقة بالدول، بل أصبحت جزءًا من بنيتها السيادية وأدواتها في إخضاع الأسواق والمجتمعات والدول المنافسة.
نحن أمام حرب عالمية جديدة لا تشبه الحرب الباردة القديمة؛ ساحاتها تمتد من مصانع الرقائق ومراكز البيانات إلى الممرات البحرية وحقول الطاقة، ومن العقوبات الاقتصادية إلى الحروب المحلية والجماعات العقائدية. وما يجري في أفغانستان وسوريا والعراق ولبنان وإيران ليس سوى الجبهة الإقليمية لذلك الصراع الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي.
ضمن هذا المشهد، لا تعني إعادة تأهيل الجهاديين أن واشنطن تصالحت مع عقائدهم، بل اكتشفت أن تطويعهم أقل كلفة وأكثر فائدة من القضاء عليهم. فمن كان عدوًا في حرب سابقة يمكن أن يصبح أداة في حرب مقبلة، ثم يعود عدوًا حين تنتهي وظيفته.
واشنطن لا تعيد هندسة المجال السني لمواجهة إيران وحدها، بل لمواجهة التمدد الصيني والروسي، مستخدمة إيران رأسًا ظاهرًا لصراع يتجاوزها بكثير. أما شعوب المنطقة، فستُدفع مرة أخرى إلى الاقتتال تحت رايات مذهبية، في حرب لا تملك قرارها، بينما يُرسم هدفها الحقيقي في صراع القوى الكبرى على قيادة العالم.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأميركية
21/9/2026

