كيف تستطيع الشعوب أن تحمي ما حققته ، وتحوّل الوقائع السياسية التي نشأت في ظروف استثنائية وتحت تأثير موازين القوى إلى حقوق قانونية ودستورية ثابتة ؟
ربما يكون هذا من أهم الأسئلة المطروحة أمام سوريا الجديدة، وهي تحاول الانتقال من مرحلة الهيمنة وفرض الأمر الواقع إلى مرحلة المؤسسات والمواطنة والدستور .
وتقدّم «جامعة كوباني» اليوم مثالاً حيّاً على هذا السؤال .
فهذه الجامعة نشأت بجهود محلية وفي ظروف صعبة، واستطاعت رغم محدودية الموارد أن تفتح أبواب التعليم أمام أبناء المنطقة . واليوم تواجه نقاشات حول إلحاقها بجامعة حلب، بدلاً من الاعتراف بها كجامعة سورية مستقلة .
وهنا لا بد من السؤال بصراحة :
لماذا لا تكون جامعة كوباني جامعة سورية مستقلة، كسائر الجامعات الوطنية ؟
فالاعتراف بها لا يعني خروجها عن منظومة التعليم العالي السورية، ولا تنصلها من المعايير الأكاديمية الوطنية .
تستطيع الدولة أن تضع معايير موحدة للاعتماد والشهادات والبحث العلمي، وأن تنظم التعليم العالي، من دون أن يتحول ذلك إلى تبعية إدارية أو مركزية مفرطة .
فالوحدة الأكاديمية شيء، والتبعية الإدارية شيء آخر .
وإذا كانت سوريا الجديدة تريد فعلاً الانتقال من المركزية المفرطة إلى دولة المؤسسات، فإن جامعة كوباني يمكن أن تكون اختباراً عملياً لهذا الانتقال .
والأمر لا يتعلق بالاسم الإداري للجامعة فقط .
فمعظم كليات جامعة كوباني تدرّس باللغة الكردية، وهذه ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه بقرار إداري .
التعليم باللغة الكردية ليس منّة أو استثناءً مؤقتاً، بل حق لغوي وثقافي وتعليمي أصيل .
وإذا كانت الدولة تعترف بالكرد مكوّناً أصيلاً من مكونات الشعب السوري، وتعترف بلغتهم وثقافتهم، فمن الطبيعي أن يجد هذا الاعتراف طريقه إلى التعليم الجامعي أيضاً .
وهنا ربما تحتاج المسألة إلى فركة أذن سياسية هادئة، ولكن واضحة :
لا يكفي أن نقول إننا نعترف بالتنوع، ثم نطلب من هذا التنوع أن يتخلى عن مؤسساته ولغته عندما يصل إلى أبواب الدولة .
هل تريد الدولة الجديدة أن تدير هذا التنوع بالقانون، أم أن لعصا سيدنا موسى مآرب أخرى ؟
إذا كانت جامعة كوباني قد استطاعت أن تنشأ وتستمر في ظروف صعبة، فلماذا لا تستطيع الدولة الجديدة أن تمنحها الإطار القانوني الذي يجعلها جامعة سورية مستقلة، تخضع للمعايير الأكاديمية الوطنية نفسها التي تخضع لها الجامعات الأخرى ؟
وهل تحتاج الوحدة الوطنية فعلاً إلى أن تكون جميع الجامعات نسخة واحدة من بعضها ؟
أم أن قوة الدولة الحديثة تكمن في قدرتها على إدارة التنوع وحمايته ضمن إطار قانوني واحد ؟
وهنا نصل إلى القضية الأوسع .
إن ما تحقق للكرد خلال السنوات الماضية لا ينبغي أن يبقى مرتبطاً بميزان القوى أو بمزاج السلطة، بل يحتاج إلى الانتقال من واقع سياسي قابل للتغيير إلى حقوق واضحة تحميها القوانين والمؤسسات .
فالمرسوم رقم (13) لعام 2026، بما تضمنه من اعتراف بالكرد كمكوّن أصيل، وباللغة الكردية كلغة وطنية، وبدء إدخالها إلى التعليم الرسمي للعام الدراسي 2026–2027، يمثل خطوة إيجابية ومهمة، لكنه ليس نهاية الطريق .
فهناك فرق جوهري بين حق تمنحه سلطة بمرسوم، وحق يضمنه الدستور وتحميه القوانين والمؤسسات .
الأول يمكن أن يتغير بتغير الظروف السياسية، أما الثاني فيصبح جزءاً من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن .
ومن هنا تأتي أهمية الدستور والقانون والقضاء المستقل . فعندما تتحول الحقوق إلى نصوص دستورية وقوانين ومؤسسات، تصبح أكثر صعوبة في التراجع عنها، وأكثر قدرة على حماية المواطن من تقلبات السياسة .
وتأتي اللغة في مقدمة هذه الحقوق .
فإدخال اللغة الكردية إلى التعليم الرسمي خطوة تتجاوز الجانب التعليمي البحت ؛ فاللغة التي يتعلم بها الطفل ويكتب بها الطالب ويستخدمها المواطن أمام المؤسسات، هي جزء من معنى المواطنة المتساوية .
وهنا ينبغي أن يكون الانتقال الكردي واضحاً أيضاً .
لقد كان للسلاح دوره في تغيير المعادلات وفتح أبواب لم تكن مفتوحة من قبل، لكن السلاح وحده لا يستطيع أن يصنع عقداً اجتماعياً مستداماً .
المرحلة المقبلة تحتاج إلى أدوات مختلفة :
الحوار، والدستور، والقانون، والعمل السياسي، والخبرة الأكاديمية والقانونية .
فالحقوق التي تحميها القوة فقط تبقى مرتبطة بموازين القوة، أما الحقوق التي يحميها الدستور فتتحول إلى جزء من بنية الدولة .
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط الحفاظ على ما تحقق، بل تحويله إلى حقوق لا تحتاج في كل مرحلة إلى إعادة انتزاعها من جديد .
وهذا لا يخص الكرد وحدهم .
فسوريا الجديدة لا تحتاج إلى مواطنين متشابهين، بل إلى مواطنين متساوين .
ولا تحتاج إلى إلغاء التنوع باسم الوحدة، بل إلى إدارته ضمن عقد دستوري واضح .
يمكن للعربية أن تبقى لغة وطنية جامعة، وفي الوقت نفسه يمكن للكردية أن تحظى بمكانتها الدستورية والقانونية المستحقة، بما يليق بلغة أصيلة لملايين السوريين .
فالاعتراف بالتعدد لا يعني تفكيك الدولة، كما أن المركزية ليست مرادفاً للوحدة .
وإذا كان السلاح قد ساهم في تغيير المعادلة، فإن القانون هو الذي يستطيع تثبيت نتائجها .
فالمناصب أشخاص، أما الحقوق فهي مؤسسات وقوانين .
في النهاية ، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً ليس فقط :
ماذا يستطيع الكرد أن يحصلوا عليه اليوم ؟
بل :
ماذا تستطيع الدولة السورية الجديدة أن تضمن لجميع مواطنيها، بحيث لا يحتاج أي مكوّن إلى العودة كل مرة إلى نقطة الصفر ؟
وهنا تعود جامعة كوباني إلى الواجهة مرة أخرى .
هل تستطيع الدولة الجديدة أن تعترف بها جامعة سورية مستقلة كاملة الحقوق، وليست فرعاً أو مؤسسة تابعة لجامعة أخرى ؟
وهل تستطيع أن تحمي حقها في التعليم والبحث العلمي باللغة الكردية، ضمن المعايير الأكاديمية والقانونية الوطنية ؟
وهل تستطيع أن تجعل الاعتراف بالكرد وحقوقهم جزءاً من بنية الدولة الدستورية والقانونية، وليس مجرد موقف سياسي قابل للتبدل ؟
إذا كانت الإجابة نعم ، فنحن نكون قد بدأنا فعلاً الانتقال من منطق البارود إلى منطق القانون .
أما إذا بقيت الحقوق مرتبطة بالأشخاص والقرارات والمزاج السياسي، فربما نكون قد غيّرنا الوجوه، بينما بقيت القاعدة القديمة كما هي .
والتاريخ لا يكتفي بتغيير الوجوه .
إنه يسأل دائماً :
ماذا تغيّر في القوانين والمؤسسات والحقوق ؟
وهناك تحديداً تبدأ سوريا الجديدة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

