حين تتحول التصريحات الإعلامية إلى بديل عن التشريع والرقابة
في المشهد السياسي العراقي، تبرز ظاهرة تستحق الوقوف عندها والتأمل في أبعادها، تتمثل في الحضور الإعلامي المكثف لبعض أعضاء مجلس النواب، وكثرة تصريحاتهم بشأن مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والخدمية، في مقابل تساؤلات مشروعة عن حجم ما يقابل هذا الحضور من نشاط تشريعي ورقابي ملموس.
فالنائب الذي منحه المواطن ثقته وصوته لم يصل إلى مجلس النواب ليكون مجرد محلل سياسي أو معلق على الأحداث، وإنما ليمارس مسؤوليات دستورية تتمثل في تشريع القوانين، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، ومتابعة القضايا التي تمس حياة المواطنين ومصالحهم.
ولا خلاف على أهمية الإعلام بوصفه وسيلة للتواصل مع الرأي العام، وإطلاع المواطنين على المواقف والجهود البرلمانية. لكن الإشكالية تبدأ حين يتحول الظهور الإعلامي من وسيلة لعرض الإنجازات إلى بديل عنها، وحين تصبح التصريحات المتكررة أكثر حضورًا من المبادرات التشريعية والإجراءات الرقابية.
فليس كل تصريح إعلامي موقفًا رقابيًا، وليس كل انتقاد للحكومة ممارسة فعلية للدور البرلماني. فالرقابة الحقيقية تتطلب استخدام الأدوات الدستورية والقانونية، ومتابعة الملفات، ومساءلة الجهات المعنية، وصولًا إلى نتائج واضحة يمكن للمواطن تقييمها.
ومن المفارقات التي تستحق النقاش أن بعض القضايا التي تثيرها التصريحات الإعلامية تحتاج في حقيقتها إلى معالجة داخل اللجان البرلمانية أو من خلال الإجراءات الرسمية لمجلس النواب، بدلًا من الاكتفاء بإثارتها أمام الكاميرات ثم الانتقال إلى قضية أخرى دون بيان ما تحقق بشأنها.
إن المواطن العراقي، الذي يواجه تحديات تتعلق بالخدمات وفرص العمل والواقع الاقتصادي والصحي والتعليمي، لا يحتاج إلى المزيد من التصريحات بقدر حاجته إلى أداء نيابي جاد، يترجم الوعود الانتخابية إلى تشريعات فاعلة ورقابة مسؤولة.
ومن هنا، فإن تقييم أداء أعضاء مجلس النواب ينبغي ألا يستند إلى كثافة ظهورهم الإعلامي أو عدد متابعيهم على منصات التواصل الاجتماعي، بل إلى معايير موضوعية، منها حضور الجلسات، والمشاركة في أعمال اللجان، والمساهمة في مناقشة القوانين، واستخدام الأدوات الرقابية، ومتابعة نتائجها.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق النواب وحدهم، بل تشمل المؤسسات الإعلامية التي ينبغي أن تمنح الأداء البرلماني الفعلي مساحة لا تقل عن تلك المخصصة للتصريحات السياسية، وأن تطرح على النائب أسئلة تتعلق بما أنجزه، لا بما يقوله فقط.
ولا يعني هذا الطرح التقليل من أهمية النواب الذين يستخدمون الإعلام لكشف المشكلات أو توضيح مواقفهم، فالتواصل مع المواطنين جزء مهم من المسؤولية العامة. لكن قيمة هذا التواصل تتعزز عندما يكون امتدادًا لعمل مؤسسي واضح، لا بديلًا عنه.
إن مجلس النواب العراقي بحاجة إلى أن يكون حضوره في حياة المواطنين مرتبطًا بقوة تشريعاته وفاعلية رقابته، لا بضجيج التصريحات الصادرة عن بعض أعضائه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها أن المواطن لا ينتخب نائبًا ليشاهده يوميًا على شاشات التلفاز، وإنما لينقل صوته إلى المؤسسة التشريعية، ويدافع عن حقوقه، ويساهم في معالجة مشكلاته.
فالمقاعد البرلمانية مسؤولية وليست منصات إعلامية، والثقة الشعبية لا تصونها كثرة الكلمات، وإنما يحفظها صدق العمل ووضوح الإنجاز.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يوجه إلى كل نائب: كم تصريحًا أدليت به ليس هو المهم، بل كم قضية تابعتها، وكم تشريعًا ساهمت فيه، وما الأثر الذي تركته في حياة المواطنين؟

