هل يحتاج تعظيم علي بن أبي طالب إلى تعطيل العقل؟- د. مالك الجبوري

تحتل رواية باب خيبر مكانة بارزة في الذاكرة الدينية المرتبطة بعلي بن أبي طالب. فهي تستحضر صورة المحارب الذي يحمل بابًا ويقاتل به، فيما يعجز عدد من الرجال عن تحريكه بعد انتهاء المعركة. وتزداد الصورة إثارة حين تُروى بوصفها اقتلاعًا لباب حصن ضخم من موضعه، ثم استخدامه ترسًا في مواجهة المقاتلين. غير أن حضور الحكاية في الكتب والخطب والمنابر يطرح سؤالًا يتجاوز الإعجاب بالبطولة: ما الذي نعرفه عن مصدرها، وما الذي أضافته إليها التفسيرات اللاحقة، وهل يمكن إثبات تفاصيلها بحسابات علمية؟

يقتضي البحث التمييز بين مشاركة علي في معركة خيبر، ورواية استخدام الباب، والتفاصيل الخارقة المنسوبة إلى حجمه ووزنه واقتلاعه. فهذه ليست قضية واحدة يُحكم عليها بالقبول أو الرفض دفعة واحدة. كما أن مناقشة الخبر لا تستلزم الانتقاص من شجاعة صاحبه؛ إنما تستلزم إخضاع الرواية للقواعد نفسها التي نستخدمها لفحص الأخبار التاريخية الأخرى.

من أقدم صيغ خبر الباب التي يمكن توثيقها رواية محمد بن إسحاق، المتوفى نحو سنة 150هـ، والمحفوظة في سيرة ابن هشام ومصادر أخرى. ينقل ابن إسحاق الخبر عن عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، مولى النبي. وتقول هذه الصيغة إن ترس علي سقط أثناء القتال، فأخذ بابًا كان عند الحصن واستخدمه للحماية، ثم ألقاه بعد الفتح. وتنسب إلى أبي رافع القول إن ثمانية رجال حاولوا تقليبه فلم يستطيعوا.

هذه الصيغة مهمة بقدر ما تقوله وبقدر ما لا تقوله. فهي لا تحدد أبعاد الباب أو مادته أو وزنه، ولا تصف صراحة عملية نزعه من مفصلات مثبتة في جدار الحصن. لذلك لا يجوز أن ننسب إليها تلقائيًا جميع تفاصيل الصورة الشائعة. كما أن عبارة «عن بعض أهله» تترك في الإسناد واسطة غير مسمّاة، وقد وصف ابن كثير طريق هذا الخبر بأن فيه جهالة وانقطاعًا ظاهرًا. وهذا اعتراض على توثيق الرواية، وليس حكمًا مستمدًا من الخصومة المذهبية.

وترد أخبار أخرى تتحدث عن أربعين أو سبعين رجلًا، وعن استخدام الباب ليصعد عليه المسلمون. ويستدعي اختلاف العدد والفعل الموصوف دراسة كل طريق على حدة. فلا تكون الرواية أدق بمجرد جمع أكثر عناصرها إثارة في مشهد واحد. كذلك فإن تكرار الخبر عند مؤلفين متعددين لا يعني تعدد الشهادات المستقلة؛ فالطبري، في أحد طرقه، ينقله عن ابن إسحاق نفسه.

ولم تبقَ الحكاية داخل الكتابة الإسلامية، بل انتقلت إلى مؤلفات غربية. تناولها المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون في الفصل الخمسين من «تاريخ انحطاط الإمبراطورية الرومانية وسقوطها». لكنه لم يقدم اقتلاع الباب واستخدامه درعًا بوصفه حقيقة محسومة؛ بل تعامل مع هذا التفصيل باعتباره مبالغة قصصية بطولية. وعندما أحال إلى أبي الفداء في خبر أبي رافع، علّق بسؤال نقدي، ترجمته: «كان أبو رافع شاهد عيان، ولكن من يشهد لأبي رافع؟».

وأورد الكاتب الأمريكي واشنطن إرفنغ الحكاية أيضًا في «محمد وخلفاؤه»، فذكر فقدان الترس وانتزاع الباب واستعماله في القتال، ثم محاولة ثمانية رجال التعامل معه دون نجاح. غير أن هذا السرد لا يمثل اكتشافًا أثريًا أو شهادة مستقلة معاصرة للمعركة؛ إنه إعادة عرض لخبر تراثي انتقل إلى التأليف الغربي.

ومن هنا، فإن الاستشهاد بكاتب أجنبي يحتاج إلى معرفة ما قاله وكيف عرفه. فليس كل ذكر للرواية تصديقًا لها، وليس انتقالها إلى لغة أخرى إضافةً إلى أدلتها. وإذا أخذ كاتب غربي الحكاية من مصدر إسلامي، ثم استُخدم كتابه لاحقًا لتأكيد المصدر نفسه، أصبحنا ندور حول خبر واحد بدل أن نجمع أدلة جديدة عليه.

أما المحاولة الأكثر إشكالًا فهي تقديم الرواية بوصفها نتيجة علمية. ويظهر ذلك في مقال الشيخ حسين التميمي «الإمام علي وقالع باب خيبر: دراسة علمية في ضوء القوة المادية والتسديد الإلهي»، المنشور في موقع قسم الشؤون الدينية بالعتبة العلوية، والمنسوب إلى مركز الدراسات والمراجعة العلمية بالعتبة العباسية.

يعترف المقال بأن المصادر لا تحدد أبعاد الباب بدقة، لكنه يقترح ارتفاعًا قدره ثلاثة أمتار، وعرضًا متران، وسمكًا بين عشرة وخمسة عشر سنتيمترًا، ثم يفترض مواد خشبية وتدعيمًا حديديًا، ويقدّر الكتلة بين 250 و400 كيلوغرام أو أكثر. المشكلة أن هذه المواصفات ليست قياسات للباب التاريخي، ولا يقدم المقال مصدرًا يثبتها. إنها فرضيات يمكن بناء نموذج عليها، لكن نتائج النموذج لا تصبح بذلك وصفًا لشيء نعرف أنه كان موجودًا بهذه الهيئة.

ثم يذكر المقال أن قوة الاقتلاع قد تعادل أضعاف وزن الباب، ويضع لها رقمًا بين ألف وألف ومئتي نيوتن. والحساب المباشر يكشف خللًا في هذا الربط؛ فقوة وزن جسم كتلته 250 كيلوغرامًا تبلغ نحو 2450 نيوتن، وترتفع إلى نحو 3920 نيوتن عند كتلة 400 كيلوغرام. فالرقم المقترح أقل من قوة وزن الباب المفترض، وليس أضعافها.

ولا يعني ذلك أن قوة اقتلاع الباب يجب أن تساوي قوة رفعه كاملًا؛ إذ تختلف المسألة بحسب طريقة تثبيته واتجاه الحركة وموضع تطبيق القوة. لكن هذا تحديدًا يبيّن ما ينقص الدراسة: معرفة المفصلات والمحاور، ومقاومة المواد، وذراع العزم، وكيفية انفصال الباب. فلا يمكن استخراج قوة الاقتلاع من ارتفاع الباب أو المسافة بين مفصلاته وحدهما.

ويمتد الخلط إلى الاستعانة بالأدرينالين وقصص رفع السيارات. فالمقال لا يقدم دراسات محددة تتيح ربط تلك الظواهر بالحادثة، ولا يميز بين رفع طرف سيارة ورفع كتلتها كاملة. ثم ينتقل من تفسير عضلي ونفسي محتمل إلى استنتاج التدخل الإلهي. لكن العجز عن تقديم تفسير مادي، حتى لو ثبت، لا يشكل في ذاته تجربة تثبت سببًا غيبيًا. تبقى المعجزة تفسيرًا إيمانيًا، لا نتيجة تنتجها معادلات العزم والقوة.

وتظهر غاية المقال حين يجعل القوة المنسوبة إلى علي دليلًا على الولاية والعناية الإلهية. هنا تتجاوز الحكاية وصف البطولة إلى إثبات مكانة عقدية. ويحق للمؤمن قراءة تراثه من هذا المنظور، لكن استخدام صفة «علمية» يفرض متطلبات أخرى: مصادر قابلة للفحص، وفرضيات معلنة، وحسابات متسقة، ونتائج لا تتجاوز المعطيات.

لقد اكتسب خبر باب خيبر حضورًا شعبيًا ومنبريًا، وأصبح لدى بعض المتلقين صورة مكتملة يصعب فصل عناصرها. غير أن شيوع الحكاية لا يحسم صحتها، كما أن إدخال الأرقام في سردها لا يحوّلها تلقائيًا إلى علم. والبحث الجاد يبدأ حين نفصل بين النص المبكر والتفاصيل المنسوبة إليه، وبين الشهادة وتكرار نقلها، وبين الاعتقاد الديني والبرهان التاريخي.

تبقى شجاعة الشخصيات التاريخية قابلة للدراسة من دون إلزام الباحث بتصديق كل ما نُسب إليها من خوارق. أما رواية باب خيبر، فتستحق دراسة مصادرها واختلاف صيغها ووظيفتها في الذاكرة الدينية. وحين تُطرح لإثباتها حسابات فيزيائية، يصبح نقد تلك الحسابات واجبًا على من يأخذ العلم بجدية؛ فالأرقام تحتاج إلى أدلة قبل أن تصلح دليلًا على أي شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *