الدولار والرواتب والديون: مَن يدفع فاتورة الأزمة المالية في العراق؟- بقلم صبيح الكعبي

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].

ليست قيمة الدولار رقمًا يُتداول في الأسواق فحسب، بل هي أحد المؤشرات التي تكشف واقع الاقتصاد وقدرة الدولة على إدارة مواردها والتزاماتها. وحين تتراجع قيمة العملة الوطنية، تتجاوز التداعيات حدود المصارف والموازنة لتصل إلى موائد الأسر ومدخرات المواطنين وأسعار السلع ومستوى المعيشة. ومن هنا تبرز أهمية قراءة قرار تعديل سعر الصرف في العراق، وفهم أسبابه وأبعاده وتداعياته المحتملة على مستقبل البلاد .

في السابع من تشرين الأول عام ٢٠٢٦، أُعلن تعديل سعر الصرف، ليبلغ سعر بيع الدولار للجمهور ١٥٢٠ دينارًا، بعد أن كان ١٣٢٠ دينارًا. وجاء القرار في ظل ضغوط مالية ارتبطت باضطراب صادرات النفط وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على الإيرادات المتاحة للدولة. ويمنح تعديل سعر الصرف الحكومة عددًا أكبر من الدنانير مقابل الدولار، لكنه قد يرفع في المقابل كلفة الاستيراد ويضغط على القوة الشرائية للمواطنين.

وفي معرض توضيحه للأسباب الموجبة للقرار أمام مجلس النواب في الثامن من تشرين الأول، كشف رئيس الوزراء علي الزيدي أن الحكومة كانت أمام ثلاثة خيارات: الادخار الإجباري من الرواتب، أو صرفها كل خمسة وأربعين يومًا بدلًا من انتظامها شهريًا، أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض. وأشار إلى أن الدين العام تجاوز ٢٠٨ تريليونات دينار، وأن الحكومة تحتاج إلى نحو عشرة تريليونات دينار شهريًا للوفاء بالتزاماتها. وبحسب تصريحه، جاء تعديل سعر الصرف ضمن الخيارات المتاحة لتجاوز الضغوط المالية وضمان استمرار دفع الرواتب.

وتضعنا هذه الخيارات أمام جوهر الأزمة، لكنها تثير تساؤلًا أساسيًا: هل تكفي المعالجات النقدية المؤقتة لضمان الاستقرار المالي، أم أن المطلوب إصلاح أعمق يعالج أسباب العجز ويحمي المواطن من تحمل أعبائه وحده؟

فالراتب الذي يبقى رقمه ثابتًا قد تتراجع قيمته الشرائية. وإذا ارتفعت أسعار السلع المستوردة والمواد الأساسية، يجد الموظف والمتقاعد ومحدود الدخل أنفسهم أمام قدرة شرائية أقل، حتى إن لم تُقتطع من رواتبهم مبالغ مباشرة. أما تقليل الرواتب أو تأخير صرفها، لو طُبّق، فيزيد الأعباء على الأسر التي تعتمد على دخل شهري لتغطية الغذاء والدواء والإيجار والنقل، وقد يدفع بعضها إلى الاستدانة لتلبية احتياجاتها الضرورية .

وفي المقابل يمنح تعديل سعر الصرف الحكومة عددًا أكبر من الدنانير مقابل الإيرادات النفطية المحصلة بالدولار، ما قد يساعدها على تمويل النفقات المحلية. غير أن هذه الفائدة الحسابية لا تعني زيادة الثروة الوطنية، ولا تضمن تعويض تراجع الإيرادات الدولارية إذا انخفضت الصادرات. كما أن ارتفاع كلفة الاستيراد قد يضيف ضغوطًا جديدة على الأسعار، ولا سيما في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة.

وتزداد خطورة المشهد مع استمرار اعتماد الإيرادات العامة على النفط. فقد أظهرت التقديرات المنشورة بشأن مشروع موازنة عام ٢٠٢٧ إنفاقًا مخططًا بنحو ٢١٧ تريليون دينار، وعجزًا متوقعًا يتجاوز ٤٠ تريليونًا. وهي أرقام تخص مشروع الموازنة، وليست نتائج نهائية للإنفاق الفعلي، لكنها تبرز حجم التحديات التي تواجه الاستدامة المالية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز الاقتراض الداخلي والخارجي بوصفه أحد الخيارات المتاحة لتغطية الاحتياجات المالية. والاقتراض ليس خطأً في ذاته إذا وُجّه إلى مشروعات إنتاجية ذات عائد واضح، لكنه يصبح مصدر قلق حين يتحول إلى وسيلة متكررة لتمويل النفقات الجارية من دون معالجة أسباب العجز. فخدمة الديون وفوائدها ومواعيد سدادها قد تضيق مساحة الإنفاق المتاحة للتعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار.

ومن هنا، لا بد من الانتقال من تشخيص الأزمة إلى وضع معالجات تحمي المواطن وتدعم استقرار الدولة. وفي مقدمتها حماية الرواتب والمعاشات من التآكل، وضمان صرفها في مواعيدها، وزيادة مفردات الحصة التموينية وتحسين نوعيتها، مع توفيرها شهريًا بانتظام، بدلًا من تذبذب مواعيد توزيعها وكمياتها. فالأمن الغذائي جزء أساسي من الحماية الاجتماعية، وتزداد أهميته في أوقات الضغوط الاقتصادية  .

وبالتوازي مع ذلك، ينبغي تشديد الرقابة على الأسواق ومتابعة أسعار السلع الأساسية، وإلزام التجار بالإعلان الواضح عن الأسعار، ومحاسبة من يثبت تورطه في الاحتكار أو التلاعب أو المضاربة غير المشروعة، وفق القانون. ولا تتحقق حماية المستهلك بالعقوبات وحدها، بل بتوفير السلع وضمان المنافسة العادلة ومراقبة سلاسل التجهيز والتوزيع، مع مراعاة تكاليف الاستيراد والنقل والإنتاج، حتى لا تؤدي الإجراءات الرقابية إلى نقص المعروض أو تعطيل النشاط التجاري  .

كما يتطلب الإصلاح مراجعة النفقات العامة، والحد من الهدر المالي، وتعزيز الشفافية في العقود والمشتريات الحكومية، ونشر بيانات واضحة عن حجم الاقتراض الداخلي والخارجي وكلفة خدمته وآجال سداده. وإلى جانب ذلك، تبرز ضرورة تنويع مصادر الدخل الوطني، ودعم الزراعة والصناعة والسياحة، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتوسيع فرص العمل، بما يقلل الاعتماد على النفط ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات.

إن مستقبل العراق الاقتصادي لن يتحدد بسعر الدولار وحده، بل بقدرة مؤسساته على تحويل الضغوط الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء السياسة المالية على أسس أكثر استدامة. فالدولة القوية ليست التي تؤمّن الرواتب في شهر أو شهرين فحسب، وإنما التي تضمن انتظامها، وتحمي القوة الشرائية للمواطن، وتوفر الخدمات وفرص العمل، وتدير مواردها بكفاءة وعدالة.

وإذا كان تعديل سعر الصرف قد يمنح الخزينة متنفسًا ماليًا في الأجل القصير، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تصبح حماية المواطن جزءًا أصيلًا من السياسة الاقتصادية، لا إجراءً يأتي بعد وقوع الضرر. فاستقرار الدولة يرتبط باستقرار مجتمعها، وقوة الاقتصاد لا تنفصل عن قوة الإنتاج، وعدالة توزيع الأعباء، وثقة المواطن بمؤسساته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *