أوهام الحرب العالمية الثالثة- كامل سلمان

إذا تحدثنا عن الحرب العالمية الثالثة فأننا سنكون مضطرين أن نذكر الصين وروسيا لأنهما الدولتين الوحيدتين القادرتين على إشعال فتيل الحرب العالمية الثالثة ضد دول العالم الغربي نظراً لقدراتهما النووية الهائلة . الصين تعيش الأن ذروة نموها الاقتصادي والتكنولوجي فهي غير مستعدة أن تضحي بهذا الإنجاز التأريخي للشعب الصيني من أجل خوض حرب عالمية ليست لها مصلحة فيها ، مصالح دول أخرى لا تمثل أهمية كبيرة لأمنها القومي خاصة وأن مصالحها مع دول العالم الغربي تمثل عمود اقتصادها وأكبر دليل صمتها المطبق لما حدث لفنزويلا الصديق الحليف للصين وقبولها بالأمر الواقع لانفصال تايوان عنها أما روسيا فأنها تبحث عن الأمان بعد ورطتها في أوكرانيا وهي نفسها روسيا تنازلت عن بشار الأسد خوفاً من الاصطدام بدول المعسكر الغربي لذلك فأن الحديث عن الحرب العالمية الثالثة حديث فيه أوهام كثيرة وخيال أكثر ، أية دولة أخرى في العالم لا تستطيع إشعال حرب عالمية سواء أكانت إيران أو غيرها بسبب محدودية إمكانياتها الاقتصادية والعسكرية . من خلال نظرة سريعة لما حدث ويحدث بين الدول من حروب بعد الحرب العالمية الثانية سنرى بأن الحروب المستعرة في مناطق أقليمية متعددة تزداد تصاعدياً يوماً بعد يوم وكذلك النزاعات الداخلية لبعض الدول وخاصة حروب التطهير العرقي والديني وحروب ضد الأقليات . التأريخ يشير بأن الحروب الكبيرة جزءاً من الموروث البشري ولابد من حدوثها في فترات زمنية متفاوتة استجابة للمتغيرات التي تعصف بالأمم ، لم نسمع عن مرحلة تأريخية خلت من الحروب الكبيرة ، فهي ليست اختيارية بقدر ما هي إجبارية ، رغم الالأم التي تفرزها هذه الحروب الا إنها أصبحت جزءاً من ديمومة الحياة وتجديدها على الأرض وتزيدها حيوية وقد تكون سبباً ترفع من شأن بعض الأمم وتهبط من شأن أمم أخرى ، رغم خسائرها المادية والبشرية الكبيرة الا أن ايجابياتها للتطور البشري أيضاً كبيرة لكن عالمنا اليوم لا يحتمل حرب كونية جديدة بسبب تطور سلاح الدمار الشامل هذا الشيء يجعلنا نجزم بأن أحتمالية إندلاع حرب عالمية ثالثة تكاد تكون معدومة ، لأن حرب عالمية ثالثة تعني بكل بساطة إنتهاء الحياة على الأرض أو إعادة الحياة على الأرض إلى العصور الحجريّة القديمة على أقل تقدير ، وهذا ما لا يمكن التفكير به بالنسبة للدول الكبرى التي تشبعت بتجارب الحروب وذاقت مرارتها ثم عمرّت بلدانها وبنت دول مدنية وحضارات ليس لها مثيل في التأريخ ، هنا أصبحت المعادلة واضحة وهي لا حرب كونية بعد الحرب العالمية الثانية ، نعم لحروب تندلع في أماكن متعددة لكنها لا ترقى إلى مستوى تدميري ساحق لذلك نرى جميع الحروب التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن حروب حاسمة لأنها لا تنتهي إلى التدمير الكامل أي تبقى متروكة النهايات . كثير من الناس يظنون بأن ما يجري من حروب في منطقة الشرق الأوسط هي بدايات الحرب العالمية الثالثة ، هذا وهم بعيد عن الواقع كما اسلفنا أعلاه وكذلك من الخطأ تفسير الحروب الصغيرة أو المتوسطة بأنها بوابة لحرب عالمية فالمسألة أبعد من ذلك في كل الحسابات العسكرية والاقتصادية ، صحيح أن المصالح حاضرة في هذه الحروب لكن أيضاً سوء تعامل القادة والحكام مع الأحداث وسوء تقدير للأمور . وأخيراً يجب إدراك حقيقة مهمة وهي أن عملية صناعة الصراعات والحروب في منطقتنا رغم آلامها الكبيرة على الشعوب إلا أن منفعتها للدول العظمى كبيرة أيضاً وكذلك منفعتها تصب لصالح الأيديولوجيات الثورية المتطرفة التي تنتشر في منطقتنا ، هذه الأيديولوجيات تتغذى على سفك الدماء والحروب . فهل الرابح من النار يخمدها ؟ هذا هو السر وراء عدم انطفاء نيران الحروب في منطقتنا . لكن أين السر من عدم استيعاب قادة دول المنطقة لكل هذه التجارب التي يعيشونها ومازالوا يلهثون وراء الحروب ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *