من يختار ممثلي الكرد في سوريا الجديدة ؟ – محمد ديب أحمد 

سؤالٌ وجيه   :
من يختار ممثلي الكرد في مؤسسات الدولة الجديدة ، وعلى أي أساس ؟
فليس الكرد كتلة سياسية واحدة  ،
ولا يمكن اختزال مجتمع متنوع في حزب أو قيادة سياسية ، مهما كان حضورها أو دورها .
فبين المؤيدين لقسد ، ومعارضيها ، والمستقلين ، والأكاديميين وأصحاب الخبرات المهنية والإدارية ، توجد آراء وتوجهات متعددة لا يجوز تجاهلها .
من هنا يبرز سؤال يستحق إجابة واضحة :
من يختار ممثلي الكرد في مؤسسات الدولة السورية الجديدة ، وعلى أي أساس ؟
السؤال ليس موجهاً ضد أشخاص بأسمائهم ، ولا تشكيكاً في كفاءة أحد بسبب انتمائه السياسي ،
 بل يتعلق بمبدأ أساسي :
 هل تقوم المشاركة على الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص ،
 أم تبقى رهناً بالتفاهمات بين القيادات السياسية والعسكرية ؟
من حق قسد وحزب الاتحاد الديمقراطي المشاركة في مؤسسات الدولة ، كما أن من حق سائر القوى الكردية والمستقلين وأصحاب الكفاءات المشاركة وفق مؤهلاتهم .
 لكن المشاركة شيء ، واحتكار التمثيل شيء آخر ؛
 وهل الحضور السياسي أو العسكري لا يمنح أي جهة تفويضاً تلقائياً للتحدث باسم جميع الكرد أو تحديد من يستحق تمثيلهم .
وماذا عن مسؤولية دمشق ؟
إذا كانت الدولة السورية الجديدة تريد بناء علاقة مختلفة مع الكرد ، فعليها أن تتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية وطنية ومؤسساتية ، لا مجرد بند في تفاهمات سياسية مع طرف بعينه .
فالحكومة ليست جهة تصادق على الأسماء التي تصل إليها من طاولة المفاوضات فحسب ، بل هي مسؤولة عن وضع قواعد عادلة تتيح لأصحاب الكفاءة المشاركة في مؤسسات الدولة ، بعيداً عن المحاصصة الحزبية والاعتبارات الضيقة .
وهنا تقع على دمشق مسؤولية واضحة :
فتح أبواب المشاركة أمام مختلف الكفاءات الكردية ، ووضع معايير معلنة لاختيار المسؤولين ، تقوم على المؤهلات والخبرة والنزاهة والقدرة على أداء المهام .
فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ الثقة لا يكفيها أن تغيّر أسماء المسؤولين ، بل عليها أن تغيّر طريقة الاختيار نفسها .
في المقابل ، لا يصح مطالبة دمشق ببناء دولة المؤسسات وفاقد الشيئ لا يعطيه … !!
ثم القبول بأن تتحول المشاركة الكردية إلى شأن تحتكره جهة سياسية واحدة .
فإذا كانت المرحلة الجديدة تقتضي تجاوز الإقصاء ، فإن ذلك يشمل الجميع ، ولا يجوز أن يصبح إنهاء التهميش في مكان مدخلاً إلى تهميش آخر .
هل المسؤولية لا تقع على دمشق وحدها ؟ فالقوى الكردية نفسها مطالبة بالتمييز بين حقها المشروع في المشاركة وبين الادعاء ، صراحة أو ضمناً ، بأنها وحدها تمثل المجتمع الكردي بمختلف اتجاهاته .
مع احترامنا الكامل للتضحيات التي قدمتها قسد و قوتها العسكرية ،  لكن النفوذ الإداري لا تمنح أي جهة صكاً مفتوحاً لاحتكار القرار .
الأجدر بالقوى الكردية أن تتنافس على تقديم الكفاءات والبرامج والحلول ، لا على حجز المقاعد وتوزيع الأدوار .
 فتوسيع المشاركة لا يعني فرض حصص شكلية على الأحزاب ،
بل ضمان حق كل مواطن مؤهل في المنافسة وتولي المسؤولية وفق معايير عادلة ، بصرف النظر عن انتمائه السياسي .
وأي دولة نريد أن نبني؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة :
هل نريد دولة تتغير فيها الوجوه بينما تبقى آليات الحكم القديمة على حالها ، أم دولة مؤسسات وقانون تتساوى فيها حقوق المواطنين وتُحدَّد المسؤوليات وفق الكفاءة والمساءلة ؟
وكذلك فإن توحيد المؤسسات لا يكتمل بمجرد جمعها تحت إدارة واحدة ، إذا ظلت أبوابها مغلقة أمام قطاعات من المجتمع ، أو بقيت القرارات خاضعة لموازين القوة بدلاً من القواعد القانونية .
ولا يتعلق الأمر بالكرد وحدهم ؛ فالمبدأ نفسه ينبغي أن يسري على العرب والسريان والآشوريين  وسائر مكونات المجتمع السوري . فالدولة التي تضمن حقوق مواطنيها لا تتعامل معها باعتبارها منحة من السلطة ، ولا تربطها بالولاء السياسي ، بل تجعلها حقوقاً دستورية وقانونية مصونة .
وضمان الحقوق الكردية لا يتحقق بمجرد تعيين عدد من الشخصيات الكردية في مواقع رسمية . المطلوب مشاركة حقيقية ، وفرص عادلة ، وصيانة للحقوق القومية والثقافية واللغوية ضمن إطار دستوري يضمن المساواة لجميع المواطنين .
 وجود ممثلين لا يكفي إذا لم توجد قواعد تحمي الحقوق وتضمن استمراريتها .
ولا يعني هذا الطرح الدعوة إلى إقصاء قسد أو حزب الاتحاد الديمقراطي ، أو التقليل من دور أي طرف ؛ فالمطلوب ليس تبديل جهة محتكرة بأخرى ، بل تجاوز منطق الاحتكار نفسه .
 ومن حق كل حزب أن يدافع عن رؤيته ويسعى إلى كسب ثقة الناس ، لكن ليس من حقه تحويل حضوره السياسي إلى تفويض دائم لا يراجعه أحد .
نتساءل إلى أين تتجه الأمور ؟
إن تجاهل سؤال التمثيل قد يحقق هدوءاً مؤقتاً ، لكنه لا يبني ثقة مستدامة .
 فالثقة لا تُطلب بالشعارات ولا تُفرض بالقرارات الإدارية ، بل تُبنى حين يشعر المواطن بأن حقوقه وفرصه لا تتوقف على انتمائه الحزبي أو قربه من أصحاب النفوذ .
إذا كانت دمشق جادة في بناء دولة جديدة ، فعليها إثبات ذلك من خلال مؤسساتها وآليات اختيار مسؤوليها ، لا من خلال الخطاب وحده .
 وإذا كانت القوى الكردية حريصة على حماية حقوق مجتمعها ، فعليها أن تدرك أن توسيع المشاركة وتقوية المؤسسات القانونية يخدمان هذه الحقوق أكثر من حصر التمثيل في دائرة ضيقة .
فالمعيار ليس عدد المقاعد التي تحصل عليها هذه الجهة أو تلك ، ولا الأسماء التي تدخل المؤسسات ، بل طبيعة القواعد التي تحكم الاختيار ، والحقوق التي تحميها ، والفرص التي تتيحها للمواطنين .
من المؤكد أن  سوريا لا تحتاج إلى مواطنين متشابهين في آرائهم وانتماءاتهم ، بل إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات . ولا تحتاج إلى سلطة جديدة تعيد إنتاج أدوات الإقصاء القديمة ، بل إلى دولة يكون القانون فيها مرجع الجميع ، والكفاءة أساس تولي المسؤولية ، والمساءلة ضمانة لمنع تحول السلطة إلى امتياز دائم .
فالسؤال ليس فقط :
من سيمثل الكرد في مؤسسات الدولة ؟
بل أيضاً : من يضع قواعد التمثيل ، ومن يضمن عدالتها ، ومن يحاسب من يخرقها ؟
هنا يبدأ بناء الثقة ، وهنا يُختبر معنى سوريا الجديدة :
دولة واحدة ،
ومواطنة متساوية ،
وحقوق مضمونة ،
 وأمن وسلام للجميع .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *