أدب الرحلات من جبال كازاخستان- ​حكاية رحالة خدعته التقاليد في كازاخستان – بدل رفو

 

واحدةٍ من أغرب المفارقات الثقافية في حياتي

النمسا

​في عام 2009، وبعد أن ألقيت محاضرتي في إحدى جامعات (ألماتي) الكازاخية الساحرة، وتلقيت تكريماً دافئاً من جمعية هيفي، وجدت نفسي مقتاداً بدعوة كريمة إلى قرية كردية كازاخية غارقة في أحضان جبال (زايلسكي ألاتاو )، وهي الجزء الشمالي الأقصى من سلسلة (جبال تيان شان ) العظيمة. لبّيت الدعوة بشغف الرحّالة، غير مدركٍ أنني على وشك الشهود على واحدةٍ من أغرب المفارقات الثقافية في حياتي!

​ونحن على بعد مسافة من المنزل، استقبلتني العين بمشهدٍ طالما ارتبط بالجاه والضيافة الشرقية: خروفٌ ممددٌ على الأرض، وثلة من الرجال يلتفون حوله. فجأة، تعالت الأصوات من بعيد:

هذا لعيون ضيفنا الكبير القادم من بلاد الموسيقى والجمال.. النمسا!

​وبلمح البصر، مرت السكينة على رقبته، وأُعلنت الطوارئ الاحتفالية! اجتمعت القرية، ودارت كؤوس الفودكا الكازاخية المحتدمة، وبدأت الأجواء تزداد حرارة، بينما بدأت معالم معدتي تعلن العصيان بعد طول انتظار. كنت أمني النفس بلحمٍ طريٍ يُنسيني عناء السفر وصخب الكلمات.

​وأخيراً… جاءت المائدة كعروسٍ يُزفُّ إليها المشتاقون!

​رفعتُ الغطاء بلهفة، وأنا أستعد للفتك بذبيحتي، فإذا بي أقف مشدوهاً أمام كائنٍ آخر تماماً.. دجاجة محمرة تبتسم لي في صمت

​حدّقتُ في الطبق، ثم حدّقتُ في الوجوه، وفركتُ عينيّ لأتأكد أنني لم أُصب بدوار الجبال! التفتُّ فوراً إلى صديقي الدكتور محمد البرازي وسألته بذهول:

يا دكتور… رأيتهم يذبحون الخروف بعيني، فمن أين هبطت هذه الدجاجة؟! أم أن الخراف هنا يصيبها الرعب فتتقزم حتى تصير دجاجاً؟

ابتسم الدكتور بتهكمٍ أعمق من لغز المسألة وقال:

ربما مسخها الخوف يا صديقي… كُل واحمد الله!

​مرت الأيام، وبعد أسبوعٍ واحد، دعتني عائلة كردية أخرى في قرية مجاورة. ومن بعيد، حين رأيتهم يجرون خروفاً آخر لنفس السيناريو، لم أتمالك نفسي، وصرختُ فيهم بصوتٍ شقّ هدوء كازاخستان:

انتظرواااا! لا تذبحوا شيئاً

​توقفوا بذهول وقالوا:

خير يا أستاذ؟

قلتُ لهم بصراحة الرحالة الملدوغ:

سؤالٌ واحد يحدد مصير هذا الكائن: هل سآكل من لحمه أم سأقابل دجاجة جديدة على الطاولة؟

ضحكوا جميعاً وهم يقسمون: بل هو لك من ألفه إلى يائه!

​ومضت السنوات، وظل سر (الخروف المُختفي) لغزاً يؤرق خاطري، حتى جاءني اتصالٌ هاتفياً من صديق الزمن الجميل في الثمانينيات، القاص الكردي نزار محمد سعيد، المقيم في هولندا، والحاصل على شهادة في عادات الشعوب

​قال لي ونبرة الضحك تسبق كلماته:

قد قرأتُ قصتك مع خروف كازاخستان وضحكتُ حتى بكيت! يا صديقي، هؤلاء القوم لم يخدعوك ولم يأكلوا خروفك من دونك! في تقاليدهم الأصيلة، يُذبح الخروف القرباني خصيصاً على شرف الضيف العزيز، ثم يُوزَّع لحمه بالكامل على أهل القرية والفقراء لتردّ عنه البلاء وليعود إلى دياره سالماً، بينما يُقدّم للضيف أسرع وأطيب ما يُطهى فوراً.. وهو الدجاج

​حينها فقط، أدركتُ أن السفر ليس مجرد تذكرة طيران وكاميرا، بل هو إبحارٌ في أعماق العقول والثقافات. وكان عليّ أن أقرأ الموسوعة الاجتماعية لأهل الكازاخ قبل أن أظن أن خرافهم تتحول بالخوف إلى دجاج!

​سلامٌ لكازاخستان، بجبالها العاتية، وخرافها الطائرة، وأهلها الذين يذبحون للتاريخ، ويطعمون للسلام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *