معرض أربيل الدولي للكتاب!- درباس إبراهيم

من يقرأ عنوان (معرض أربيل الدولي للكتاب) يتبادر إلى ذهنه للوهلة الأولى، أنه أمام محفل فكري يضع القضية الكردية في صدارة اهتماماته، ليشرح أبعادها ويبحث عن حلول حقيقية لأزماتها، غير أن المتأمل في تفاصيل المشهد يرى واقعا مغايرا، فالندوات تكاد تكون معزولة عن تطلعات الشارع الكردستاني وهمومه، ومعظم الأسماء المستضافة تنتمي إلى فضاءات ثقافية أخرى، حتى بدا أن الهوية الكردية للمعرض قد اختزلت في الميزانية، والاسم، واستعراض الأزياء الفلكلورية في أيام الافتتاح.
إن الانفتاح على الآخر واستضافة المفكرين والكتاب العرب، والفرس، والأتراك وغيرهم، هو خطوة حضارية أؤيدها، وينبغي أن نبني عليها؛ فالانغلاق لم يكن يوما خيارا صائبا للمجتمع الكردي، ولا لأي مجتمع يريد مواكبة العصر. لكن الإشكالية تكمن في غياب التوازن؛ فبينما تشرع الأبواب والنوافذ للجميع، يترك المثقف الكردي في زاوية هامشية بلا دور حقيقي أو حضور بارز يليق بمشروعه الثقافي.
هذا الخلل يعود في جزء منه إلى طبيعة العلاقات الشخصية للقائمين على المعرض؛ إذ يبدو أن الروابط والأيديولوجيات القديمة لقيادة مؤسسة المدى المنظمة تجاه رفاقهم ، قد طغت على معايير الموضوعية والتجديد والانفتاح المحلي، مما جعلنا نرى الوجوه ذاتها تتكرر في كل ندوة ومحفل، يقابل ذلك تهميش النخب الكردية المهمة. وهي مفارقة مؤسفة تعيدنا إلى ذات المعضلة التي يعاني منها المشهد العام، حيث يميل صانع القرار في كثير من الأحيان إلى تقديم الآخر والاحتفاء به على حساب الكفاءات من أبناء جلدته.
هذا المشهد المغترب يعيدنا بمرارة، إلى ذات الغصة التاريخية وعقدة نقص النخب التي شخصها الفيلسوف الكردي الكبير أحمد خاني قبل أكثر من ثلاثة قرون في مقدمة ملحمته (مم وزين). فحينها، ورغم إتقانه التام للفارسية والعربية والتركية، آثر خاني الكتابة بلسانه الأم صائحا بوجه الحكام والنخب التي تبسط السجاد الأحمر لثقافة الآخر وتهمل مبدعي جلدتها قائلا:
“لكي لا يقول الناس: إن الكرد بلا أصل وبلا معرفة.. وكي لا يعتقدوا أن الكرد قاصرون عن الإبداع وبلا كمال.. كتبت هذا ( بلغة الأم). وإلا فإن بضاعة الغرباء هي الرائجة فقط لدى حكامنا”.
إن هذا التهميش الحاصل اليوم يتناسى أيضا ثقة المبدع الكردي بنفسه وبنتاجه، تلك الثقة التي جسدها الشاعر والمتصوف الكبير ملا جزيري عندما تحدى الاستلاب الثقافي لمركزيات عصره في شيراز وشيروان، مؤكدا أن الفكر الكردي لا يقل شأنا وعمقا عن الآخرين حين قال: “إذا كنتَ تطلب لؤلؤ النظم والنثر يا هذا.. فتعال وانظر إلى شعري الكردي، لتجده قد تفوق وفاق شيروان وشيراز!”
وللخروج من هذه الدائرة البائسة الضيقة يتطلب التفاتة حقيقية من وزارة الثقافة والشباب في إقليم كردستان لفرض توازن حقيقي يضمن للمثقف الكردي حقه الطبيعي في إدارة وتصدر هذه المنصات، ويفرض معايير ثقافية موضوعية غير مرتبطة بالعلاقات الشخصية أو الصداقات، ليكون المعرض جسرا حقيقيا للتبادل الثقافي، لا ساحة لتغييب الهوية المحلية، والاهتمام بالقشور، والفخفخة البالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *