عفرين مدينة الجمال و الاصالة ، وموطن الكرم و الشهامة ، وارض تخزن في ترابها حكايات الأجداد ، و ذكريات الأجيال . تقف عفرين شامخة بين جبالها الخضراء ، وسهولها الواسعة ، تحتضنها أشجار الزيتون التي أصبحت رمزا لهويتها ، وعنوانا لصمود أهلها ، وفي ازقتها و قراها حكايات لا تنتهي عن المحبة و التاخي و البساطة ، وعن الانسان الذي ارتبط بارضه ارتباط الروح بالجسد .
تزخر الذاكرة الفنية الكوردية بأسماء لامعة جعلت من الموسيقى والغناء وسيلةً للتعبير عن الهوية القومية ، والدفاع عن اللغة والثقافة ، وتجسيد آمال الشعب الكوردي وتطلعاته إلى الحرية والكرامة . وقد واجه عدد من هؤلاء الفنانين ظروفًا قاسية ، تمثلت في التضييق والمنع والملاحقة ، الأمر الذي اضطر بعضهم إلى مغادرة وطنه ومواصلة مسيرته الفنية في المنافي ، حاملين معهم صوت كوردستان وألحانها ووجدان شعبها .
وفي هذه الحلقة الرابعة من سلسلة ( عمالقة موسيقى وغناء الكورد ) ، نسلّط الضوء على أحد الفنانين الكورد الذين ارتبط اسمهم بالأغنية الوطنية والثورية ، وهو الفنان ( بنكين عفريني ) واسمه الحقيقي ( حكمت جميل ) الذي انطلق من منطقة عفرين في غربي كوردستان ، وترك بصمةً في مسيرة الأغنية الكوردية ، من خلال أعمال عبّرت عن التمسك بالهوية والارتباط بالأرض والوطن .
النشأة والمسيرة الفنية
وُلد الفنان بنكين عفريني في ناحية معبطلي التابعة لمنطقة عفرين في غربي كوردستان ، وينتمي إلى عائلة كوردية . وتشير بعض الروايات إلى أنه عاش فترةً في مدينة قامشلو ، قبل انتقاله لاحقًا إلى دمشق ، حيث ارتبطت حياته بنشاطه الفني ، ثم غادر سوريا متجهًا إلى أوروبا في ظل المضايقات التي تعرّض لها بسبب نشاطه الفني ومواقفه الوطنية .
وقد تباينت بعض المعلومات المتداولة بشأن مكان إقامته في مراحل مختلفة من حياته ، وهو ما يستدعي التمييز بين مكان ولادته ومناطق إقامته وتنقله . وتبقى عفرين وفق المعلومات الواردة في هذه السيرة ، موطن نشأته الأول ومحطة انطلاقه في مسيرته .
امتلك بنكين عفريني موهبةً فطرية في الغناء ، وجعل من الفن وسيلةً للتعبير عن مشاعر شعبه وقضيته . ولم يكن الغناء بالنسبة إليه مجرد ألحان وكلمات ، بل رسالةً ثقافية ووطنية تحمل معاني الحرية والكرامة والانتماء .
الأغنية الوطنية ومواجهة التضييق .
برز اسم بنكين عفريني في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين أصدر عام 1978 ألبومه الأول بعنوان ( جي بيم ولات كوردستان = ماذا أقول لوطني كوردستان ؟ ) .. وفي عام 1979 اصدر البومه الثاني بعنوان ( ولات تو كوردستان = وطني انت كوردستان ) وبسبب هذا الالبوم اضطر الرحيل و الهجرة الى اوربا .
وقد ارتبطت أغانيه بالقضايا الوطنية الكوردية ، وتناولت موضوعات الأرض والهوية والحرية ، الأمر الذي عرّضه ، بحسب الروايات المتداولة عن سيرته ، لمضايقات وتهديدات من أجهزة النظام السوري آنذاك . وأمام هذه الظروف ، اضطر إلى مغادرة وطنه عام 1979 متجهًا إلى أوروبا ، حيث أقام في الدنمارك ، ثم انتقل إلى ألمانيا ، مواصلًا نشاطه الفني والوطني في المهجر .
وفي حديثه عن تلك المرحلة ، يعبّر الفنان عن معاناته من الممارسات التي استهدفت الشعب الكوردي في غربي كوردستان ، ويشير إلى أن انتشار إحدى أغانيه أثار استياء السلطات ، وأدى ، وفق روايته إلى منع ألبوماته ومصادرتها ، وإغلاق عدد من المحال التي كانت تبيع أشرطة الكاسيت .
وتكشف هذه التجربة عن جانب من الصعوبات التي واجهها الفنانون الكورد في تلك المرحلة ، حين أصبح التعبير بلغتهم والغناء عن هويتهم الوطنية سببًا للتضييق على نشاطهم الفني ، ودافعًا لبعضهم إلى مواصلة رسالتهم بعيدًا عن أرض الوطن .
أبرز أغانيه وأعماله
قدّم بنكين عفريني مجموعةً من الأغاني التي ارتبطت بالوجدان الوطني الكوردي، ومن أبرز الأعمال الواردة في سيرته
- قامشلو وقسم الوفاء ” اغنية ثورية ” 1978
- ولاتي كوردستان ” وطني كوردستان ” 1978
- شورش (الثورة، 1979)
- ولات تو كوردستان ” كوردستان أنت الوطن ” 1981
- زينار ارب ” الحزام العربي ” 1984
- نه رازي مه ” لست راضيا ” 2000
- بيروز ” مبروك ” 2004
- إلى جانب أعمال أخرى ( حوريا مين )
وتعكس عناوين عدد من هذه الأغاني ارتباط تجربته الفنية بالواقع السياسي والاجتماعي الذي عاشه الشعب الكوردي ، كما تكشف عن الدور الذي أدّته الأغنية في حفظ الذاكرة الجماعية والتعبير عن التطلعات الوطنية .
الغربة والعودة إلى عفرين
بعد سنوات طويلة من الغربة ، عاد الفنان حكمت جميل ، المعروف باسم بنكين عفريني ، إلى مدينته عفرين ، ليعيش بين أهله وأقاربه وأحبائه ، وفق ما تذكره الروايات الواردة في سيرته ، وتمثل العودة إلى مسقط الرأس ، بعد سنوات من الابتعاد ، محطةً إنسانية مهمة في حياة الفنان ، الذي ظل اسمه مرتبطًا بأرضه وهويته وأغنيته الكوردية .
ولا تقتصر أهمية تجربته على عدد الأغاني التي قدّمها أو الألبومات التي أصدرها ، بل تتجاوز ذلك إلى ما تمثله من صلة بين الفن والهوية ، وبين الإبداع الفردي والذاكرة الجماعية لشعبٍ ظلّت الموسيقى والغناء جزءًا أصيلًا من ثقافته ووجدانه .
إن تجربة الفنان بنكين عفريني ، المعروف باسمه الحقيقي حكمت جميل ، تمثل صفحةً من صفحات تاريخ الأغنية الكوردية التي حملت صوت الوطن إلى ما وراء الحدود . فقد واصل مسيرته الفنية في ظروف صعبة ، وظلّ الغناء بالنسبة إليه وسيلةً للتعبير عن الانتماء والتمسك بالهوية والثقافة الكوردية .
إن الفنانين الذين يحملون تراث شعوبهم في أصواتهم وألحانهم يستحقون أن تُحفظ سيرهم ، وأن تُوثّق أعمالهم ، وأن تتعرّف الأجيال الجديدة إلى ما قدّموه من عطاء ، فالأغنية ليست مجرد لحنٍ عابر ، بل ذاكرةٌ تحفظ الحكاية ، وجسرٌ يصل الأجيال بجذورها الثقافية والوطنية .
وفي الختام ، نتمنى للفنان بنكين عفريني دوام الصحة والعافية ، ومزيدًا من العطاء والإبداع ، وحياةً ملؤها الخير والسعادة والطمأنينة ، تقديرًا لمسيرته الفنية وما تركته من أثر في ذاكرة الأغنية الكوردية .
المصادر والمراجع : 1 – حكمت جميل ” بونكين ” : صوت الثورة الكوردية في المنفى 21 / 8 / 2025 فيسبوك 2 – بوك ميديا تحاور الفنان الكوردي القدير بنكين عفريني 2 / 2 / 2014 فيسبوك 3 – حوار مع رائد الاغنية السياسية و الثورية الفنان الكوردي الكبير حكمت جميل ” بنكين ” 24 / 10 / 2011 ولاتي مه 4 – لقاء مع الفنان الكوردي حكمت جميل 2 / 5 / 2025 تيك توك 5 – وصول الفنان بنكين عفريني ” حكمت جميل ” الى قامشلو 19 / 11 / 2014 قامشلو – سيمالكا – بويربريس – فيسبوك 6 – بانكين عفريني – حكمت جميل 30 / 5 / 2020 – يو تيوب 7 – زبير صالح ” بنكين عفريني 27 / 2 / 2019 يو تيوب . 8 – بعد 34 عاما الفنان الكوردي بانكين يعود الى عفرين 31 / 3 / 2014 بوك ميديا – فيسبوك 9 – المكتب المركزي للإحصاء – نشرة السكان – المناطق و النواحي 17 / 4 / 2011 ويكبيديا – الموسوعة الحرة

