أحمد الچلبي في الذكرى الحادية عشرة لرحيله.. قراءة في مفارقة النفوذ الخارجي والعجز الداخلي- مهند ال كزار

 

برحيل أحمد الجلبي في الثالث من تشرين الثاني عام ٢٠١٥ اسدل الستار على واحدة من اكثر التجارب السياسية العراقية إثارة للجدل، فقد استطاع أن يحجز لنفسه مكاناً متقدماً في دوائر صنع القرار الأمريكي، وأن يتحول إلى أحد أبرز الوجوه التي راهنت عليها واشنطن في مشروع تغيير النظام السياسي، لكنه لم يستطع أن يتحول إلى زعامة وطنية تحظى بالقبول الشعبي والسياسي الذي يؤهله لقيادة البلاد.
امتلك الچلبي أدوات مختلفة عن أدوات معظم معارضيه ومنافسيه، ويمتلك قدرة استثنائية على التواصل مع النخب السياسية الغربية، ويدرك جيداً طبيعة التفكير داخل المؤسسات الأمريكية، وكيفية التأثير في مراكز الأبحاث والكونغرس والدوائر المرتبطة بصناعة القرار في واشنطن، لكن المفارقة ليست في قدرته على الوصول إلى واشنطن، بل في عجزه عن ترجمة ذلك الوصول إلى رصيد سياسي في العراق.
 أدرك الجلبي أن إسقاط نظام صدام حسين لا يمكن أن يتحقق بالمعارضة العراقية وحدها، وأن مفتاح التغيير يكمن في إقناع القوة الدولية الأكثر تأثيراً آنذاك بتبني مشروع إسقاط النظام، وقد ساهم المؤتمر الوطني العراقي في توفير معلومات استخبارية عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وهي المعلومات التي أصبحت لاحقاً جزءاً من المناخ السياسي والاستخباري الذي مهد للحرب الأمريكية عام 2003، رغم أن الادعاءات الأساسية المتعلقة بوجود تلك الأسلحة لم تثبت صحتها.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إشكالية في إرث المرحوم الجلبي، إذ إن العلاقة التي بناها مع واشنطن لم تكن مجرد علاقة نفوذ سياسي بل ارتبطت بمشروع استراتيجي انتهى إلى غزو العراق وتغيير نظامه بالقوة.
سقوط النظام.. وسقوط الرهان على الجلبي
عندما دخلت القوات الأمريكية العراق عام 2003، بدأ الجلبي يقف على اعتاب تحقيق حلمه السياسي الذي عمل من أجله سنوات طويلة، فقد عاد إلى البلاد متفوق على الآخرين برصيد علاقاته الأمريكية، وجرى التعامل معه بوصفه احد المرشحين المحتملين لتولي قيادة العراق الجديد، لكن ما حدث بعد ذلك كشف عن فجوة كبيرة بين امتلاك النفوذ في الخارج وامتلاك الشرعية في الداخل، فالعراق كان مجتمعاً متعدد الهويات والانتماءات والمصالح، يمتلك قواه السياسية والاجتماعية والدينية، وكانت لديه حسابات مختلفة تماماً عن الحسابات التي ترسم في غرف السياسة الأمريكية.
لم يتمكن الجلبي من بناء قاعدة شعبية واسعة، ولم تنجح علاقاته الدولية في تحويله إلى شخصية توافقية قادرة على قيادة مختلف المكونات السياسية، بل إن الانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الأول 2005 كشفت بوضوح محدودية حضوره الانتخابي، إذ لم يحصل حزبه على مقعد مستقل في تلك الانتخابات، رغم أنه كان أحد أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بإسقاط النظام السابق، لقد استطاع الجلبي أن يكون قريباً من صناع القرار في واشنطن لكنه لم يستطع ان يكون قريباً بالقدر نفسه من المزاج السياسي والاجتماعي العراقي.
من الحليف الأمريكي إلى الرجل المثير للشكوك
لم تستمر العلاقة بين الجلبي وواشنطن على الوتيرة نفسها التي كانت عليها قبل الحرب، فبعد انكشاف عدم صحة المعلومات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل بدأت الثقة الأمريكية به تتراجع، وتفاقمت الخلافات بعد اتهامات أمريكية له بتسريب معلومات حساسة إلى إيران، وفي عام 2004 تعرض منزله ومكاتبه في بغداد لمداهمة أمريكية عراقية في مشهد عكس حجم التحول في علاقته مع الجهة التي كانت حتى وقت قريب من أبرز داعميه.
لكن الجلبي الذي عرف كيف يبني شبكة علاقات مع واشنطن، أعاد ترتيب علاقاته واقترب من قوى سياسية عراقية وإقليمية، واستمر في شغل مواقع مهمة من بينها نائب رئيس الوزراء ووزارة النفط بالوكالة لفترة قصيرة ورئاسة اللجنة المالية في مجلس النواب، وقد كان ذلك دليلاً على امتلاكه قدرة سياسية على المناورة وإعادة التموضع لكنه لم يكن دليلاً على امتلاكه القدرة على إنتاج قيادة سياسية مستقرة.
إيران.. إعادة اكتشاف الجغرافيا السياسية
من المفارقات اللافتة في مسيرة الجلبي أنه بعد تراجع علاقته بواشنطن اتجه إلى بناء علاقات مع القوى السياسية العراقية التي تمتلك روابط وثيقة بإيران، وهذا التحول لا يمكن فصله عن حقيقة أن العراق بعد عام 2003 لم يعد ساحة نفوذ أمريكي خالص، بل أصبح ميداناً لتنافس إقليمي ودولي وفي مقدمته التنافس الأمريكي الإيراني.
لقد أدرك الجلبي أن النفوذ الأمريكي مهما بلغ حجمه لا يكفي وحده لصناعة القرار العراقي، وأن القوى الإقليمية تمتلك أدوات تأثير حقيقية في المشهد السياسي الجديد، غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً أعمق:-
 هل كان الجلبي يمتلك مشروعاً سياسياً ثابتاً للعراق، أم كان يمتلك قدرة عالية على التكيف مع موازين القوى أينما اتجهت؟
وهذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه بصورة قطعية لكنه يظل مدخلاً مهماً لفهم طبيعة شخصيته السياسية.
الچلبي… لماذا لم يمتلك العراق؟
ربما تكمن الإجابة في أن الجلبي راهن على شرعية التغيير الخارجي أكثر مما راهن على بناء شرعية سياسية داخلية، فالقوة الدولية تستطيع أن تفتح الأبواب وأن توفر الحماية وأن تساهم في إسقاط نظام سياسي، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تمنح الشخص الذي اختارته قبولاً شعبياً دائماً.
فالزعامة في العراق لا تصنع في واشنطن ولا تمنح بقرار من البنتاغون ولا تكتسب بمجرد امتلاك العلاقات مع مراكز النفوذ الدولية، إنها تبنى من خلال كسب الثقة المجتمعية والقدرة على إدارة التناقضات وصناعة التوافقات، وهنا أخفق الجلبي في تحويل رصيده الدولي إلى رصيد وطني، وربما كان خطؤه الاستراتيجي الأكبر أنه تعامل مع إسقاط النظام باعتباره الغاية السياسية الكبرى دون أن يمتلك تصوراً واقعياً كافياً لإدارة تعقيدات الدولة والمجتمع بعد سقوطه.
الجلبي.. قراءة في إرث سياسي لم يحسم
بعد أحد عشر عاماً على رحيله لا يزال أحمد الجلبي شخصية يصعب وضعها في خانة سياسية واحدة، فهو من جهة شخصية تمتلك ذكاءً سياسياً وقدرة استثنائية على بناء العلاقات الدولية والتأثير في دوائر القرار، ومن جهة أخرى ارتبط اسمه بمعلومات استخبارية مضللة ساهمت في تهيئة المناخ لغزو العراق، وبسياسات داخلية تركت آثاراً عميقة في بنية الدولة والمجتمع، ولا يمكن اختزال كل ما حدث في العراق بعد عام 2003 بشخصية الجلبي، كما لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الأدوار التي مارسها والخيارات التي تبناها.
لقد عرف كيف يصل إلى واشنطن وكيف يتحدث بلغتها السياسية، وكيف يجعل العراق حاضرا في حسابات صناع القرار الأمريكي، لكنه لم يكن الرجل الذي نجح في جمع العراقيين حول مشروع واضح، وهنا تكمن المفارقة الكبرى في مسيرته السياسية، فقد امتلك نفوذاً في عاصمة كانت تقرر مصير العراق لكنه لم يمتلك الشرعية التي تمنح صاحبها حق قيادة العراق.
وربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه تجربة أحمد الجلبي للأجيال العراقية ليس لماذا خسر الرجل معركته على السلطة، بل لماذا ظلت النخب العراقية تبحث عن شرعيتها في عواصم الخارج أكثر مما تبحث عنها في ثقة الداخل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *