يشكّل اختيار الدكتور برهم صالح ، رئيس جمهورية العراق السابق وأحد أبرز الشخصيات السياسية الكردية ، لمنصب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ، محطة تحمل من الدلالات السياسية بقدر ما تحمل من المؤشرات الإنسانية .
هذا التعيين لا يمكن النظر إليه بوصفه انتقالاً إدارياً داخل هيكل المنظمة الدولية ، بل باعتباره خطوة ذات مغزى في مقاربة الأمم المتحدة تجاه دور شعوب المنطقة وكفاءاتها .
هذا المنصب الذي سيتولاه الدكتور صالح يختص بإدارة ملف يلامس مصائر نحو 123 مليون نازح ولاجئ حول العالم ، ويعكس اختيار الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريش للدكتور صالح من بين اثني عشر مرشحاً معظمهم من أوروبا ، ثقة بخبرة سياسية صقلتْها سنوات من العمل المؤسساتي ، وقدرة على التعامل مع توازنات تتشابك فيها السياسة مع الاعتبارات الإنسانية .
وتبرز أهمية هذا القرار أيضاً في توقيته ؛
فالعالم يشهد تحولات في بنية النظام الدولي ، تتراجع فيها قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على إنتاج حلول ناجعة لأزمات النزوح . وفي خضم هذا المشهد المضطرب يأتي اختيار شخصية من الشرق الأوسط وللمرة الأولى لقيادة هذا الملف العالمي ، لا شك انها خطوة توحي بأن المنظمة الدولية تتجه نحو إعادة صياغة مقاربتها عبر الاستفادة من خبرات جاءت من قلب مناطق التوتر لا من هوامشها .
أما على الصعيد الكردي ، فيحمل هذا التعيين بُعداً إضافياً .
فهو يشير بوضوح إلى أن الحضور الكردي في الفضاء الدولي لم يعد محصوراً في إطار القضايا المحلية أو الحقوقية ، بل بات حضوراً يتقدم بثقة نحو مواقع تُدار فيها السياسات العالمية .
وفي الوقت نفسه هو اعتراف بأن تجربة الكورد وما عانوه من آلام التهجير وصبر الصمود وكل ما مرت عليهم ، اكسبتهم وعياً سياسياً وانتجت كفاءات قادرة على الإسهام في معالجة الملفات الإنسانية الكبرى ، لا بوصفها حالة عاطفية بل عبر رؤية عملية وواقعية .
ومن هنا يصبح الفرح الكردي بهذا الحدث تعبيراً ناضجاً عن انتقال متدرّج من موقع صاحب القضية إلى موقع شريك في صناعة الحلول …
تمنياتنا للدكتور صالح النجاح في مهمته والذي سيعزز الحضور الكردي في مؤسسات النظام الدولي ، ويفتح الباب أمام أجيال جديدة للمشاركة في فضاءات يتقاطع فيها القرار السياسي مع المبادئ الإنسانية على نطاق عالمي اوسع …
وبرأي المتواضع ونظرتي السطحية أعتقد هذا المنصب هو خطوة تتجاوز الشخص لتلامس معنى أعمق :
أن الكرد ، بعد عقود من مواجهة التهميش والتهجير ، باتوا يمتلكون من الخبرة والرصانة ما يؤهلهم للمساهمة في صياغة السياسات الإنسانية الدولية جنباً إلى جنب مع صناع القرار حول العالم … مع تمنياتنا لأبناء شعبنا تبوأ المواقع التي تليق بتاريخه وفي مختلف الميادين العلمية والسياسية والانسانية .
بقلم : محمد ديب أحمد

