لنقلها بلا رتوش :
بقاء النظام في إيران لم يعد نتيجة عجز الآخرين فقط ، بل أصبح جزءاً من توازن مطلوب .
هذه ليست مؤامرة بقدر ما هي كفاءة دولية في إدارة الأزمات دون حلّها .
النسخة المتداولة من مقترح النقاط العشر لا تقدّم سلاماً ،
بل تنظّم التوتر .
طهران لا تعرض التراجع ، بل تثبيت ما تعتبره مكاسبها الاستراتيجية ، وهو ما ينعكس داخل المفاوضات في سلوك يهدف إلى ترسيخ هذه المكاسب لا إعادة النظر فيها .
فالمسألة لم تعد مرتبطة ببرنامج نووي فقط ، بل بمنظومة نفوذ ممتدة تتجاوز الجغرافيا الإيرانية . لذلك فإن ما يُطرح عملياً هو محاولة لشرعنة نفوذ إيران على ما راكمته من أذرع إقليمية باتت واضحة للعيان :
من حزب الله في لبنان ،
إلى الحشد الشعبي في العراق ، مروراً بـ الحوثيين في اليمن ، وصولاً إلى شبكات تأثير أخرى ما زالت تعمل في الظل .
بهذا المعنى ، لا تُقرأ المفاوضات كمسار لتقييد هذا النفوذ ، بل كمسار للتعايش معه وتقنينه ضمن قواعد أقل تصادماً ، حتى وإن بقيت بنيته كما هي .
في المقابل ، تدخل الولايات المتحدة المفاوضات وهي تدرك أن سقفها النظري أعلى بكثير من قدرتها العملية .
فهي تسعى إلى ضبط البرنامج النووي ، كبح الصواريخ ،
وتقليص النفوذ الإقليمي ، لكنها في النهاية تقبل بصيغ وسطية تُبقي على جوهر المشكلة دون تفكيكها .
أعتقد هذه ليست تنازلات مجانية ، بل إدارة للوقت بأقل كلفة ممكنة مقارنة بخيارات التصعيد .
أما إسرائيل ونتنياهو ، فالإشكال عندهم يتجاوز التحليل الأمني إلى الإحراج السياسي .
سنوات من التحذير من “ الخطر الوجودي” تصطدم بواقع أن هذا الخطر لم يُحسم ، بل انتقل إلى طاولة التفاوض .
والهزيمة هنا لا تُقاس بحدث عسكري ، بل بتآكل السردية التي كانت تقوم على الحسم القريب .
في الخليج العربي ، الصورة أكثر براغماتية وأقل انفعالاً . المنطقة تتعامل مع واقع لا يمكن تجاهله ولا يمكن حسمه .
التهدئة تمنح إيران مساحة أوسع لإعادة التموضع ، والتصعيد يحمل مخاطر مباشرة على الأمن الإقليمي ، أما النتيجة فهي استنزاف طويل الأمد في ظل غياب حل جذري .
هذا ليس توازناً مستقراً ، بل حالة إدارة مستمرة لتهديد غير محسوم .
أما كوردياً ، وفي إقليم كردستان ، فالمعادلة أكثر حساسية ، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع السياسية بشكل مباشر .
الضربات والتوترات تُدار ضمن عناوين واسعة ، لكن أثرها يبقى واقعياً على الأرض ، في بيئة لا تمتلك فيها ترف التوازنات الكبرى .
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن العامل الكردي الأوسع ، ليس فقط في إقليم كردستان ، بل أيضاً داخل العمق الإيراني .
إذ يشكل أكراد إيران امتداداً بشرياً وسياسياً مهماً ضمن منطقة كردستان إيران (روژهلات) ،
وهي مساحة تخضع لحسابات أمنية دقيقة داخل الدولة الإيرانية . ومع أي تهدئة أو تصعيد ، ينعكس هذا الملف بشكل غير مباشر على طبيعة التعاطي الإقليمي معه ، إذ يبقى أحد عناصر التوازن الصامت في المشهد ، دون أن يكون حاضراً بشكل مباشر على طاولة التفاوض ، لكنه يظل جزءاً من معادلة التأثير والضغط في الخلفية .
ويبقى العامل الأكثر براغماتية في المشهد هو السيد ترامب ، أو النهج الترامبي الذي يُنسب إليه في إدارة الأزمات .
في هذا الإطار ، تُدار الملفات الحساسة كأوراق تفاوض :
تهديد محسوب ،
ضغط متدرج ،
ثم فتح باب الصفقة عند نقطة معينة .
إيران هنا ليست فقط ملفاً أمنياً ، بل جزءاً من معادلة تفاوضية يمكن توظيفها سياسياً واقتصادياً .
وماذا عن الهدنة ؟
الهدنة في هذا السياق لا تعني نهاية الصراع ، بل أرها إعادة توزنات :
إيران تستثمر الوقت لإعادة بناء قدراتها ،
الولايات المتحدة تشتري استقراراً مؤقتاً ،
إسرائيل تراقب المسار بقلق ، والمنطقة تدفع تكلفة البقاء في حالة
“ لا حرب ولا سلام ”.
بعبارة أكثر صراحة :
الأسلحة قد تُجرح ، لكنها لا تُزال من المعادلة ،
والنفوذ قد يُقيّد ، لكنه لا يُفكك .
الخلاصة :
بقاء إيران كما هي ليس فشلاً في تغييرها ، بل نجاح في التكيّف معها . وهو ما يجعل من هذا الواقع انتصاراً لطهران ،
وإحراجاً لتل أبيب ، وقلقاً دائماً لدول الخليج ، وصفقة مفتوحة تُدار وفق ميزان المصالح لا وفق منطق الحسم .
والأهم ان المشكلة ليست في أن هذا المشهد مستمر ، بل في أنه يُعاد إنتاجه بصيغة تجعل استمراره يبدو الخيار الأقل كلفة للجميع …
حتى لو كان الأكثر كلفة على المدى البعيد … هذا والأيام حبلى …. والمولود مازال في حكم الغيب .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

