مقدمة: حبّة رمل تساوي ذهباً
يتخيّل كثيرون أن الثروات المعدنية لا تعني إلا النفط والفوسفات والذهب، غير أن تحت أقدامنا ثروة صامتة تُستنزف يوماً بعد يوم دون رقيب حقيقي ولا محاسبة جدية: إنه رمل السيليسيوم (الكوارتز). ذلك الرمل الأبيض النقي الذي تحتضنه هضاب تونس وجبالها وسواحلها، والذي يُصدَّر خاماً رخيصاً ليعود إلينا مصنَّعاً في شكل زجاج وسيراميك وألواح شمسية وشرائح إلكترونية، بأسعار تتجاوز قيمته الخام عشرات المرات.
أولاً: كنز مدفون في باطن تونس
تمتلك تونس مخزوناً هائلاً من الرمل يتوزع في منطقة الوسلاتية بالقيروان، وبوعرادة بسليانة، وجبل عرباطة بقفصة، وولاية تطاوين. وتُقدَّر الاحتياطيات الرملية في تونس بحوالي 200 مليار طن، منها 100 مليار طن من الرمال الصالحة للاستخدام الصناعي.
وتتنوع الرمال التونسية بين رمل الكوارتز الأكثر انتشاراً والمتميز بجودته العالية المستخدم في صناعة الزجاج والخزف ومواد البناء، ورمل السيليكا المستخدم في صناعة السيراميك والبلاستيك.
وما يجعل هذه الثروة استثنائية هو طبيعة تركيبها الكيميائي؛ فالرمل الصناعي الذي تتجاوز نقاوته 98.5% يُستعمل في مجالات صناعية كثيرة أهمها صناعة الزجاج والأفران، كما يدخل في العديد من المجالات الصناعية والتقنية والطبية. وحين يصل هذا الرمل إلى أيدي الصناعيين الأوروبيين، تقفز قيمته المادية بعد عملية تحويله من مادة خام رخيصة الثمن إلى مستوى بعض الثروات الطبيعية كالفوسفات.
ثانياً: يخرج خاماً… ويعود مصنَّعاً
هذه هي المعادلة المرّة التي تعيشها تونس مع ثروتها الرملية. ثمة شركات تونسية كـ”سوميفام” وأجنبية كـ”مينيرالي” تقوم بتصدير الرمل نحو الأسواق الأوروبية، وتحديداً إلى الأسواق الإيطالية والفرنسية. وبحسب المركز العالمي للتجارة الدولية التابع لمنظمة التجارة العالمية، فقد صدّرت تونس منه في 2022 ما قيمته 35 مليون دولار.
وهذا الرقم، رغم أهميته، لا يعكس الحجم الحقيقي للثروة المهدَرة. فبعد التصنيع في إيطاليا وفرنسا، يعود هذا الرمل مصنَّعاً في شكل زجاج وبلاط وألواح شمسية وشرائح إلكترونية، ويُباع للمستهلك التونسي بأضعاف قيمته الخام. فالرمل السيليسي يُستخدَم في مجموعة واسعة من الصناعات المتقدمة، بما في ذلك صناعة اللوحات الشمسية والزجاج الشمسي، والإلكترونيات، لا سيما في الرقائق الإلكترونية الدقيقة، إضافة إلى إنتاج الألياف البصرية.
وتستخدَم الرمال التونسية في صناعة الزجاج بنسبة 40%، والسيراميك بنسبة 30%، والأسمنت بنسبة 20%، والورق بنسبة 10%. كل هذه المنتجات تستوردها تونس بعد أن منحت مادتها الأولى مجاناً أو شبه مجاناً.
ثالثاً: اللوبيات والمافيا… وسلاح الاستعمار الجديد
الوسلاتية والقيروان: المثال الصارخ
لقد أصبحت سطوة عصابات نهب الرمال في جبال وهضاب تونس واضحة للعيان. حاول أي شخص أن يقترب من مقطع في برج حفيظ أو في الوسلاتية وبيده آلة تصوير، فسيخرج إليه أناس مسلحون بأسلحة صيد لملاحقته.
بارونات نهب المقاطع بجهة القيروان اشتهرت بالتحيل على مصالح المراقبة الجبائية والاستخلاص ومصالح الضمان الاجتماعي، وقد كدّست ثروات طائلة تُقدَّر بعشرات المليارات، هُرِّبت عن أعين القباضة المالية عن طريق شبكة من الشركات الصورية.
ولا تعود العقود الاحتكارية التي تحوزها الشركات الأوروبية في غالب الأحيان بالنفع على الدولة والاقتصاد المحلي، لأنها تندرج في إطار استمرار منظومة الاستعمار القديمة المتمثلة في نهب ثروات الدول التابعة وتأبيد دورها كمنتج للمواد الخام.
وقد كشف إغلاق مصانع الشركة الإيطالية فجأةً حجم الخطورة؛ فإغلاق مصنعَي الشركة الإيطالية “مينيرالي إندستريالي” في الوسلاتية وسوسة خلال يناير 2023 كشف مدى خطورة ملف تصدير رمال السيليسيوم من تونس.
برج حفيظ — بوعرقوب (نابل): جريمة بيئية في العلن
لا يمكن الحديث عن نهب الرمل التونسي دون التوقف عند منطقة برج حفيظ التابعة لمعتمدية بوعرقوب بولاية نابل، تلك المنطقة الغنية برمال كوارتز عالية الجودة والتي تتعرض لاستنزاف مروّع يكاد يفوق ما يجري في مناطق أخرى.
تعاني منطقة برج حفيظ من ارتفاع حاد في وتيرة الاستغلال العشوائي وضعف المراقبة لمدى احترام كراس شروط الاستغلال، وعدم التزام المستغلين بالتدخل لاستصلاح المقاطع بعد استغلالها، في ما وصفه المسؤولون أنفسهم بالتهديد بـ”كارثة بيئية”.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم الفوضى: إذ يُقدَّر عدد المقاطع العشوائية في المنطقة بنحو 30 مقطعاً غير قانوني، في مقابل 13 مقطعاً صناعياً و9 مقاطع تقليدية تعمل بصفة قانونية فقط. أي أن غير القانوني يفوق القانوني بأكثر من الضعف.
والأفظع من ذلك أن الغطاء السياسي يحول دون المحاسبة؛ إذ كشفت تحقيقات برلمانية أن مقاطع الرمال بمنطقة برج حفيظ يستولي عليها رجال أعمال بغطاء من مسؤولين جهويين، وأن أصحاب الأراضي الأصليين يجدون أنفسهم عاجزين عن استرداد حقوقهم، بل يتعرض بعضهم للملاحقة القضائية حين يرفضون الرضوخ.
هكذا تتحول أرض برج حفيظ يوماً بعد يوم إلى فجوات عميقة وجروح مفتوحة في باطن الأرض، بينما يغادر رملها النفيس نحو موانئ أوروبا خاماً رخيصاً، وتبقى المنطقة دون تعويض بيئي ولا تنمية تُذكر.
رابعاً: هشاشة المنظومة التشريعية والإدارية
يبدو الإطار القانوني المنظّم لهذا القطاع متهالكاً لا يتناسب مع أهمية الثروة. طالب ناشطو المجتمع المدني المختصون في متابعة وضع الثروات الطبيعية وزارةَ الطاقة في أكثر من مناسبة بمراجعة القوانين المنظِّمة لاستغلال هذه الثروات وطرق وآليات الاستثمار فيها، فضلاً عن مراجعة العقود القديمة التي يعود بعضها إلى زمن الاستعمار الفرنسي المباشر.
والأمر لا يتعلق فقط بغياب الرقابة، بل بتواطؤ مؤسسي موثَّق؛ إذ أكد تقرير دائرة المحاسبات أن مقاطع الرخام والحجارة والطين والرمل يُنهَب محتواها حتى الآن على مرأى ومسمع من الجميع، بتواطؤ من فاسدين داخل وزارة التجهيز ووزارة أملاك الدولة ووزارة المالية، الذين كان لزاماً عليهم تحرير محاضر وإعلام النيابة العمومية.
أما الإجراءات الضريبية فقد بقيت هزيلة ومتأخرة؛ إذ لم يُنطلق الحديث عن قطاع الرمال بجدية إلا يوم أقرّ قانون المالية لسنة 2023 معلوماً بـ100 دينار على كل طن يُصدَّر من رمال السيليسيوم. ومئة دينار لكل طن من ثروة تُحوَّل إلى منتجات صناعية تبلغ قيمتها عشرات الأضعاف، هو تكريس للهدر لا إيقاف له.
خامساً: ماذا لو أحسنّا الاستغلال؟
الإجابة واضحة لمن يريد أن يرى. الاستغلال المحلي للسيليكا سيقلل من الاعتماد على استيراد المواد المشتقة منها، ويتيح التوجه نحو التصنيع المحلي في سياق توسيع النسيج الصناعي وتحقيق السيادة الصناعية. ومن الفرص المتاحة إقامة مصانع زجاج وطنية، وتطوير صناعة الألواح الشمسية محلياً، وبناء قدرات في صناعة الإلكترونيات.
غير أن النمو الاقتصادي الناتج عن تصدير الموارد الطبيعية الخام أخفق تاريخياً في تحقيق تنمية مستقلة في تونس. هذا هو الدرس المتكرر الذي لم نتعلمه بعد.
خلاصة: متى نكفّ عن بيع أمس لشراء غدٍ لا يأتي؟
الرمل التونسي ليس مجرد تراب. إنه مادة استراتيجية تدخل في صناعات المستقبل، من الزجاج إلى الرقائق الإلكترونية. لكنه يُنهَب بثلاثة أوجه متكاملة: نهب مباشر من لوبيات مسلحة تسيطر على المقاطع في برج حفيظ والوسلاتية وغيرهما، ونهب قانوني عبر عقود احتكارية تُصدِّره بثمن بخس، ونهب بنيوي يعود في صورة منتجات مصنَّعة مستوردة بالعملة الصعبة.
المعادلة بسيطة: إما أن تصنع تونس رملها بيدها وتبيع قيمة مضافة، أو تواصل بيع باطنها لمن يتقن فنّ الاستعمار الناعم.
المراجع
إنحياز.كوم — “رأي | رمل السيليسيوم: الثروة المنهوبة”، مايو 2024: https://inhiyez.com
جريدة الصباح نيوز — “الثروة الرملية في تونس.. بين الاستغلال والتنمية المستدامة”، أكتوبر 2023: https://www.assabahnews.tn
تونيميديا — “مافيا إيطالية تنهب رمال الوسلاتية الغنية بالسيليسيوم”، 2017: https://www.tunimedia.tn
الإذاعة التونسية — “نابل: الوالي يؤكد إيقاف نزيف المقاطع العشوائية من أولويات السلط الجهوية”، مايو 2021: http://www.radiotunisienne.tn
موزاييك FM — “بوعرقوب: إيقاف رجل أعمال استغل مقاطع رمال بصفة عشوائية”: https://www.mosaiquefm.net
الجزيرة نت — “رمل السيليكا: الثروة المهملة”، أبريل 2015: https://www.ajnet.me
السفير العربي (فؤاد غربالي) — “Power and Natural Resources in Tunisia”، أبريل 2022: https://assafirarabi.com
السفير العربي (محمد رامي عبد المولى) — “الموارد الطبيعية في تونس ما بين الشح والوفرة والهدر”، يونيو 2019: https://assafirarabi.com
المركز العالمي للتجارة الدولية (ITC) — بيانات صادرات الرمال التونسية 2022: https://www.intracen.org
الناصر خشيني نابل تونس

