تُعدّ اللغة واحدة من أخطر أدوات السلطة في التاريخ الإنساني، إذ لا تقتصر وظيفتها على الوصف والتعبير، بل تمتد إلى تشكيل الوعي، وتحديد العدو، وصناعة الشرعية أو نزعها. ومن بين أكثر المصطلحات إثارةً للجدل في العصر الحديث مصطلح “الإرهاب”، الذي تحوّل من مفهوم قانوني وأمني إلى أداة سياسية وإعلامية مرنة، تُستخدم زيفا أو زورا أو بهتانا لتوصيف جماعات أو أفراد أو حتى شعوب بأكملها، وفقًا لمصالح القوى المهيمنة، فتركيا تتهم الكورد بالإرهاب، وإسرائیل تتهم الفلسطینیین بالإرهاب، وأمريكا تتهم النظام الإيراني بالإرهاب…وهكذا.
ليست التسمية فعلًا بريئًا. فحين تُطلق دولة أو مؤسسة إعلامية أو قوة دولية وصف “إرهابي” على جهة معينة، فإنها لا تصف فقط، بل تحكم مسبقًا، وتؤسس لرواية أخلاقية وسياسية قد تبرر الإقصاء أو العقاب أو حتى الإبادة. التاريخ مليء بأمثلة لأشخاص أو حركات وُصفت بالإرهاب في مرحلة ما، ثم تحولت لاحقًا إلى رموز وطنية أو قيادات سياسية معترف بها. فقد وُصف كثير من حركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية بالإرهاب أثناء مقاومتها للاستعمار، بينما يُنظر إليها اليوم بوصفها حركات تحرر وطني. هذا يكشف أن التسمية ليست حقيقة مطلقة، بل غالبًا انعكاس لموازين القوة.
تكمن مشكلة مصطلح الإرهاب في غياب تعريف عالمي موحّد له. فحتى داخل المؤسسات الدولية ما تزال هناك خلافات حادة حول ماهية الإرهاب، وحدود المقاومة المشروعة، وحق الشعوب في الدفاع عن نفسها. فهل يُعدّ استخدام العنف دائمًا إرهابًا؟ وهل يُطبّق المصطلح على الدول كما يُطبّق على الجماعات؟ ولماذا تُصنَّف بعض أشكال العنف إرهابًا، بينما تُمنح أخرى صفة “الدفاع عن النفس” رغم تشابه الفعل و النتائج؟ هذه الازدواجية تجعل المصطلح عرضة للاستغلال السياسي، بحيث يصبح أداة لإنتاج “الآخر الخطر” أكثر من كونه توصيفًا قانونيًا دقيقًا. إن مقاومة التسمية الزائفة تبدأ بإعادة تعريف الذات، وامتلاك السردية الخاصة، وعدم التسليم بالمفاهيم الجاهزة التي تُنتجها القوى الكبرى أو وسائل الإعلام الموجهة.
يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في ترسيخ التسميات. فكثير من الناس لا يعرفون الأحداث مباشرة، بل من خلال الصور والعناوين والخطاب الإعلامي. لذلك يصبح الإعلام قادرًا على تحويل شخص إلى “مناضل” في قناة معينة، و”إرهابي” في قناة أخرى. هذه الازدواجية لا تعكس فقط اختلافًا في الرأي، بل تكشف أن الحقيقة نفسها أصبحت خاضعة للتأطير الإعلامي. ومن هنا تبرز أهمية الوعي النقدي، والقدرة على قراءة الخطاب الإعلامي بوصفه بناءً سياسيًا وثقافيًا، لا مرآةً محايدة للواقع.
لا ينبغي أن يؤدي نقد التسميات الزائفة إلى تبرير العنف ضد المدنيين أو التقليل من خطورته. فرفض التلاعب بالمصطلحات لا يعني التخلي عن المعايير الأخلاقية. لكن في المقابل، من الضروري التمييز بين مقاومة مشروعة ضد الاحتلال أو القمع، وبين استهداف الأبرياء لتحقيق أهداف سياسية. فالمشكلة الحقيقية تظهر حين تُستخدم تهمة الإرهاب لإسكات الأصوات المعارضة، أو لتجريم المطالبة بالحقوق، أو لإضفاء الشرعية على عنف الدولة.
إن التفاوض على التسميات الزائفة هو في جوهره صراع على المعنى، وعلى الحق في تعريف الواقع. ومصطلح الإرهاب يمثل مثالًا واضحًا على كيفية تحوّل اللغة إلى أداة سلطة وهيمنة. لذلك فإن الوعي النقدي، والتحليل التاريخي، ورفض الأحكام الجاهزة، كلها أدوات ضرورية لفهم العالم بعيدًا عن الدعاية والتبسيط. فاللغة ليست مجرد كلمات، بل خرائط للوعي، ومن يملك حق التسمية يملك جزءًا كبيرًا من السلطة على العقول والذاكرة والتاريخ.
٧\٥\٢٠٢٦

