الرؤى المتقاطعة بين واشنطن وطهران ؛ أزمة المفاوضات مستمرة
بحسب ما تظهره المواقف المعلنة في وسائل الإعلام والردود المتبادلة. حين تُوصف مساعي الحل والردود المكتوبة في أروقة الإدارة الأمريكية بأنها غبية وقطعة من القمامة التي لا تستحق حتى إكمال قراءتها، مع التأكيد المباشر على أن مسار وقف إطلاق النار بات ركيكاً؛ تصف طهران ذلك الرد نفسه بأنه رد مسؤول، وأنه لم يتجاوز حقها الطبيعي والسيادي في إنهاء الحرب، مع إبداء الأسف البالغ على ما تسميه إصرار واشنطن المستمر على مواقفها الأحادية ومطالبها المتشددة. يضعنا هذا التناقض الحاد أمام تساؤلات جوهرية حول من يمتلك فعلياً معيار تحديد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وما إذا كان المشهد يعكس سوء فهم حقيقي مفتوح على عودة الصِدام العسكري المفتوح ، أم أنه مجرد أداة من أدوات الغموض الاستراتيجي الذي يمارسه الجانبان في معركة التفاوض لتحقيق أهداف متقاطعة.
لقد برز بوضوح كبير التأثير الإسرائيلي على مسار اتخاذ القرار، حيث ارتبطت المواقف الرافضة للردود والمقترحات باتصالات وتنسيق مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي.حيث يتركز هذا التأثير في نقطة محورية واحدة طغت على التصريحات، وهي المتعلقة بالمحور النووي، وتحديداً إخراج اليورانيوم المخصب وتفكيك البرنامج بالكامل. فبالنسبة لإسرائيل، بعد أن تبددت آمال تحقيق هدف إسقاط النظام، يبقى معيار النجاح والفشل في هذه المواجهة التاريخية مرتبطاً حصراً بالقضية النووية، ولا يهمها بالقدر ذاته فتح مضيق هرمز أو تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتجاري في المنطقة.
رسالة الكيان الصهيوني تتلخص في أنه بدون معالجة مشكلة الوجود النووي بشكل جذري في أي اتفاق محتمل، فإن النتيجة تعد فشلاً استراتيجياً، بل وعودة كارثية إلى نقطة الصفر التي سبقت التحولات الأخيرة. وانطلاقاً من هذا الهاجس، استبدلت إسرائيل عملياً مفهوم هزيمة الخصم بمفهوم تدمير بنيته التحتية والطاقوية والصناعية، وهي تدفع بكل ثقلها باتجاه استمرار الحرب لأسابيع إضافية لتحقيق هذا التدمير، لتجنب تكريس أي انتصار للطرف الآخر.
بالمقابل ، تتعامل طهران انطلاقاً من ثوابتها ومصالحها الوطنية، وبطريقة تعكس شعوراً متزايداً بالانتصار والصمود التكتيكي. المبادرة التي طُرحت على الطاولة تضمنت حزمة كاملة من الشروط التي وُصفت في الدوائر الغربية بأنها تعجيزية وتتجاوز كافة الخطوط الحمراء؛ فقد اشترطت الاستمرار في التخصيب، والسيطرة الميدانية والسيادية على مضيق هرمز وفق بروتوكول خاص، ورفع كافة العقوبات بشكل نهائي، والمطالبة بدفع التعويضات، بالإضافة إلى رفض مجرد القبول بوقف إطلاق نار جزئي والمطالبة بإنهاء الحرب بشكل شامل يغطي حتى حلفاءها في الجبهة اللبنانية. تصرفت طهران في مذكرتها كطرف غير منكسر ولا منهزم، حيث صيغت الردود بلغة حاسمة وجمل واضحة التوقيتات والأرقام، خالية تماماً من التعبيرات الفضفاضة المعتادة في دهاليز الدبلوماسية. هذا الأسلوب أغضب صانع القرار الأمريكي الذي اعتبر ذلك مسّاً بالهيكلية التفاوضية، ومحاولة لفرض إملاءات تُغيّر من طبيعة التفاوض لتجعل خيار إنهاء الحرب أولوية قصوى. وتستند طهران في هذا التصعيد الدبلوماسي إلى قراءة دقيقة تؤشر لوجود انقسام متنامٍ داخل قواعد الحزب الحاكم في واشنطن، وتذمر شعبي جراء ارتفاع تكاليف المعيشة المباشرة وأسعار الوقود المرتبطة بأمن المضائق.
فيما يرى الجانب الأمريكي،حسب قناعته المستمرة بأن الخصم يعيش في أضعف لحظاته التاريخية، خاصة بعد تقويض قدرات الوكلاء في المنطقة، وانهيار المؤشرات الاقتصادية، وتعرض المواقع الاستراتيجية والعسكرية لضربات قاسية. وبناءً على هذه الرؤية المتفائلة، يُتوقع دوماً من الطرف المستهدف الاستسلام الكامل والتسليم بالشروط المفروضة. لقد دُفعت الآلة العسكرية للدخول في مواجهة دون امتلاك استراتيجية خروج آمنة، مما أدى إلى تخبط ظهر جلياً في الإعلان المتردد عن مشاريع ردع تتغير مسمياتها لتعكس حجم المأزق.
إن الواقع الميداني يفرض شروطه القاسية ويفكك شيفرة الكثير من القضايا. فاستخدام الحد الأقصى من القوة العسكرية لم يؤدِّ إلى الإخضاع السريع المطلوب. كما أن القواعد العسكرية الضخمة والمنتشرة أظهرت محدودية في الفاعلية الاستراتيجية أمام تكتيكات القدرات اللامتناظرة والحروب الطويلة. هذا الاستعصاء الميداني يدفع بصناع القرار نحو ما يُعرف بمرحلة الاستنزاف المتبادل والردود السلبية، حيث يبحث كل طرف عن سبل لوقف مسار تراكم الخسائر دون أن يمتلك الأدوات الحاسمة لبناء قضية نصر مقنع.
إن فشل الردع يثير مخاوف من تعرض القوة الكبرى للحظة تاريخية فارقة تفقد فيها زمام المبادرة عالمياً، مما يعجل بضرورة ترميم السمعة العسكرية بأي ثمن.
إسرائيل، من جهتها، تسعى لإفشال المسارات الدبلوماسية المتعددة عبر الاستمرار في التهديد بتوسيع العمليات البرية ورفض التسويات التي قد تمنح خصومها إقرارا بالشرعية أو مكاسب سياسية صريحة. وفي ظل هذه التشابكات المستعصية، تتشكل لوحة جيوسياسية تتداخل فيها استراتيجيات الحصار البحري الطويل الأمد والضربات التدميرية الخاطفة.
كما أن التسويات الكبرى والمبادرات الدولية التي تعتمد على مساومات اقتصادية وأمنية قد تمثل طوق النجاة الوحيد لكسر هذا الجمود. وبدون ذلك، تظل خيارات التصعيد المفتوح حاضرة بقوة، سواء عبر استهداف البنى التحتية الاستراتيجية في مناطق كبحر قزوين لتقليص قدرة الخصم على التحمل، أو عبر عمليات تجعل كلفة الصمود باهظة.
في النهاية يمكن القول، إن التمسك بأطروحات المعادلة الصفرية الساعية لتحقيق نصر مطلق لم يعد يتناسب مع وقائع الأرض المثقلة بالخسائر المتراكمة. والاستمرار في الاعتماد على القوة العسكرية لمعالجة إخفاقات المراحل السابقة لن ينتج سوى دمار مضاعف تدفع ثمنه شعوب المنطقة. ما لم تحتكم الأطراف الفاعلة لواقعية سياسية تقدم تنازلات جوهرية تراعي توازنات الرعب والمصالح المتقاطعة، سيبقى التصعيد وازمة المفاوضات عنوان المرحلة، وستظل غرف العمليات العسكرية بديلاً كارثياً يغتال أي بارقة أمل في إحياء مسارات الدبلوماسية

