جمهورية الصراخ… يُحاكم فيها العقل بتهمة التفكير.- (فرست عبدالرحمن مصطفى)

 

في اوطاننا لا تُقاس الحقيقة بعمقها، بل بعدد الذين يصفقون لها.
ولا ينتصر الرأي لأنه صحيح بل لأنه الأعلى صوتاً والأكثر قدرة على تخوين غيره.
الأكثرية هنا لا تبحث عن الحقيقة لأن الحقيقة متعبة، تحتاج إلى عقلٍ يشك وقلبٍ يتحمّل الصدمة وشجاعة للاعتراف بأننا ربما كنا مخطئين طوال الوقت.
وهذا أمر مرعب بالنسبة لمن تربى على أن القناعة ميراث عائلي.
لهذا لا يسأل الكثيرون منا “هل ما أؤمن به صحيح؟”
بل يسألون “كيف أثبت أنني على حق حتى لو كان الواقع كلّه ضدي؟”

 

إنهم لا يناقشون الأفكار بل يدافعون عن هوياتهم النفسية.
فالفكرة عندهم ليست احتمالاً قابلاً للنقد بل حصناً أخلاقياً، وأي محاولة للاقتراب منه تُعتبر إعلان حرب.

 

لهذا ترى الرجل الذي لم يقرأ كتابا في حياته يتحدث بثقة خبير كوني.
وترى من لا يفرّق بين الحقيقة والإشاعة يشرح لك “المؤامرة العالمية” وكأنه كان حاضراً في الاجتماع السري الذي أدارت فيه البشرية شؤونها!
أما الأكثر إثارة للسخرية فهو أن الجاهل في مجتمعاتنا لا يشعر بالنقص أبداً… بل يشعر برسالة مقدسة لإنقاذ الآخرين من المعرفة!

 

لقد تحوّل الجهل من حالة مؤسفة إلى سلطة اجتماعية كاملة.
فالجاهل اليوم لا يجلس في آخر الصف بل يعتلي المنصات ويصرخ ويحلّل ويمنح صكوك الوطنية والخيانة، بينما يصفق له جمهور يرى في التفكير نوعاً من الوقاحة.

 

في مجتمعاتنا إذا فكّرت كثيراً اتهموك بالغرور وإذا سألت كثيراً اتهموك بالتمرد وإذا شككت قليلاً اتهموك بالخيانة.
أما إذا كرّرت ما يقوله القطيع بحماسة، فمرحباً بك مواطناً صالحاً وعاقلاً و”ابن أصل”.

 

والمفارقة المضحكة المبكية، أن أكثر الناس خوفاً من الأسئلة هم أولئك الذين يدّعون امتلاك كل الأجوبة.
إنهم يشبهون شخصاً يغلق عينيه بإحكام ثم يصرخ “انظروا… لقد اختفى العالم!”

 

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الجهل فالجهل قديم قدم البشرية، بل في تحالف الجهل مع النفوذ.
حين يصبح صاحب الصوت الأعلى هو الأقل فهماً، وصاحب القرار هو الأكثر تعصباً، تتحول المجتمعات إلى مسرح ضخم يديره أشخاص يكرهون التفكير لأن التفكير يهدد سلطتهم.

 

وهكذا يصبح العاقل مشروع متهم والمثقف كائناً مشبوهاً وصاحب السؤال خطراً على “السلم الاجتماعي”، بينما يُمنح الجاهل ميكروفوناً وجمهوراً وربما وزارة أيضاً!

 

إن المشكلة ليست أن الأكثرية لا تعرف بل أنها لا تريد أن تعرف.
فالإنسان حين يعتاد على الأفكار الجاهزة يصبح التفكير بالنسبة له عملاً شاقاً يشبه حمل الصخور.
ولهذا يفضّل كثيرون الراحة النفسية على الحقيقة حتى لو كانت تلك الراحة مبنية على الوهم.

 

وفي النهاية لا شيء أكثر رعباً من جاهل يملك نفوذاً ونفوذه يعتقد أنه حكيم.
فهذا النوع لا يكتفي بأنه لا يفهم بل يريد من الجميع أن يتوقفوا عن الفهم أيضًا… حتى لا يشعر بالوحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *