وهم النقاء وصناعة العدو البديل – بوتان زيباري

تتجلى في الفضاءات السياسية المعاصرة معضلة بنيوية كبرى، حين يرتد الوعي الجمعي المأزوم نحو إنتاج هويات متخيلة تقوم على وهم النقاء العرقي والتميز الشوفيني. تشير القراءات الأنثروبولوجية والبيولوجية الحديثة إلى تهافت ادعاءات الصفاء القومي؛ إذ تثبت التحليلات الجينية المعملية أن المجتمعات الأكثر صخبًا في ادعاءاتها الهوياتية لا تعبر إلا عن نسب ضئيلة للغاية من الجوهر العرقي المزعوم، بينما ينتمي السواد الأعظم منها إلى مزيج تاريخي مركب. يثبت هذا التناقض أن القومية المتطرفة ليست سوى غطاء أيديولوجي زائف، يعجز معتنقوه عن مواجهة الواقع المتردي عبر قراءة علمية وموضوعية، فيلوذون بالإنكار ومحاولة التمسك بكيان افتراضي لا وجود له في عالم الحقيقة العلمي والاجتماعي المعاصر.

يتحول هذا الانفصال عن الواقع إلى مأساة حقيقية عندما تعجز السلطة والمنظومة الحاكمة عن توفير شروط العيش الكريم لمواطنيها. إن المشهد الراهن يفيض بالمرارة الفلسفية؛ حيث يرزح الفرد تحت وطأة تضخم اقتصادي طاحن، وتبعية سياسية دولية تجعله مرتهنًا لإرادات القوى الإقليمية والعالمية الكبرى الكبرى، بينما تفقد العملة المحلية قيمتها وتتقلص الرواتب التقاعدية والأساسية لحدود تعجز عن تلبية الحاجات المعيشية الإنسانية البسيطة. في هذه البيئة المشبعة بالمهانة الاقتصادية، وفي ظل تقييد حرية التنقل الخارجي عبر إجراءات التأشيرات المعقدة في السفارات والحدود، يتحول المواطن المأزوم إلى ذات مغتربة عن واقعها وعاجزة عن مجابهة الأسباب الحقيقية لبؤسها الراهن، مما يدفعه للهروب المستمر نحو الأمام متمسكًا بشعارات جوفاء.

هنا يبرز الميكانيزم النفسي الأخطر، المتمثل في تحويل العجز البنيوي والانسداد السياسي والاقتصادي نحو عدو داخلي بديل ومتخيل. يتجه هذا الشحن الأيديولوجي الممنهج بكامل طاقته وعدوانيته نحو كسر إرادة أصحاب الأرض الحقيقيين من الكورد، الذين يخوضون وجودية ملحمية مستمرة للدفاع عن كينونتهم وكرامتهم وتاريخهم الإنساني الطويل على أرضهم التاريخية كوردستان. إن تركيز خطابات الكراهية والعداء الموجهة ضد شعب الكورد عبر منصات التواصل الرقمي وبيروقراطية الدولة يستهلك طاقة شعورية ومعرفية هائلة، لو وُجهت نحو البناء العلمي والنهضة الإبداعية لصنعت أرقى الأنماط الفنية والرياضية والهندسية، ولبلغت بها المجتمعات مراتب العبقرية التاريخية والتقدم التكنولوجي العالمي الفائق.

يتجلى الخلل المرضي في قدرة المنظومة على إقناع ملايين الكادحين الذين يتقاضون أجورًا زهيدة تجعلهم أقرب إلى العمالة الهامشية المستغلة، بالاستمرار في الدفاع المستميت عن سياسات السلطة الفاشية وأخطائها الكارثية. إن تبني عقلية المؤامرة الكونية التي ترى العالم بأسره متربصًا بالأمة، ليس إلا آلية لتبرير الظلم التاريخي الممارس ضد الجار والشريك في السكن والعمل والحياة اليومية. تبدو هذه النخبوية الزائفة والعدائية المفرطة في غاية الهشاشة والابتذال أمام وعي الآخر الذي يرقب هذا التردي الإنساني بوضوح. وفي المحصلة، تظل حقيقة المشهد تكشف عن فئة تعيش بؤسًا مركبًا ومثيرًا للشفقة، تتغذى على الأوهام بينما تقبع في أسفل سافلين حضاريًا وتنمويًا، متناسية أن التحرر الحقيقي يبدأ بالاعتراف بحقوق الآخرين والعدالة الإنسانية المطلقة.

بوتان زيباري

السويد

29.05.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *