نموذج روژئآفا نحو الإندماج- د. عبدالباقي مایی

 

في المجتمعات التي تتعدد فيها القوميات والأديان واللغات والثقافات، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة كوردستان فی شمال شرق سوریا، لا تكمن المشكلة الأساسية في وجود الاختلاف بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف. فالتعدد يمكن أن يكون مصدراً للثراء الاجتماعي والثقافي والسياسي، لكنه قد يتحول، في ظل غياب المساواة والاعتراف المتبادل، إلى مصدر دائم للصراع والانقسام، كما كان علیه الحال فی سوریا منذ وجودها كدولة سیاسیة بعد إتفاقية  سایكس-پیكو المشؤومة سنة ١٩١٦ .

ومن هذه الزاوية يكتسب نموذج روژئاڤا، أو ما يُعرف اليوم بالإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، أهمية تتجاوز حدود المنطقة التي نشأ فيها. فقد حاولت هذه التجربة، منذ ظهورها في سياق الحرب السورية، أن تقدم صيغة مختلفة لتنظيم المجتمع السياسي، تقوم على اللامركزية، والمشاركة الشعبية، والتعددية، والمساواة بين الجنسين، والاعتراف بالهويات القومية والدينية والثقافية المختلفة، مما جعله يستحق تسميته  “عابر الأزمات”. ولا تنبع أهمية التجربة من كونها نموذجاً مكتمل النجاح أو خالياً من التناقضات، بل من كونها محاولة عملية للإجابة عن سؤال صعب: كيف يمكن لمجتمع متعدد الهويات أن يعيش في إطار سياسي مشترك دون أن تضطر مكوناته إلى التخلي عن هوياتها الخاصة؟ وأن یتقدم دائما من نصر إلی نصر بتغییر معاملته داخلیا وخارجیا بعد كل أزمة یمر بها منذ الإقتتال الداخلي فی سوریا بعد إندلاع  ثورة الشباب سنة ٢٠١١ . وهنا يبرز مفهوم الاندماج بوصفه مفهوماً مركزياً.

فالإندماج لا يعني صهر الكردي في العربي، ولا العربي في الكردي، ولا المسيحي في المسلم، ولا المسلم في المسيحي؛ كما لا يعني إلغاء اللغات والهويات المحلية لصالح هوية واحدة. الاندماج، في معناه الديمقراطي، يعني بناء فضاء مشترك يشعر فيه الفرد بأن هويته الخاصة محترمة ومحمية، وفي الوقت نفسه بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات داخل مجتمع سياسي أوسع. ومن هنا يمكن النظر إلى نموذج روژئاڤا باعتباره انتقالاً من محاولة إدارة التنوع إلى محاولة بناء اندماج قائم على التنوع.

ينبغي، قبل تقييم نموذج روژئافا، التمييز بين مفاهيم كثيراً ما تُستخدم وكأنها مترادفة: التعايش، والتعددية، والمشاركة، والاندماج. فقد يعيش أفراد من قوميات وأديان مختلفة في المكان نفسه دون أن تكون بينهم علاقة اجتماعية أو سياسية حقيقية. وهذا هو التعايش في أبسط صوره: أن يعيش المختلفون جنباً إلى جنب مع تجنب الصدام. أما التعددية فتذهب خطوة أبعد، إذ تعترف بوجود الجماعات المختلفة وحقها في الحفاظ على هوياتها وثقافاتها. لكن الاندماج يتطلب شيئاً إضافياً. إنه يتطلب وجود مصلحة عامة مشتركة، ومؤسسات مشتركة، وقواعد مشتركة، وإحساساً بالمواطنة المشتركة. وبذلك يمكن القول إن: التعايش يعني أن نعيش معاً، والتعددية تعني أن نعترف باختلافاتنا، والمشاركة تعني أن نشارك في إدارة شؤوننا، أما الاندماج فيعني أن نتحول، رغم اختلافاتنا، إلى مجتمع سياسي واحد. وهذا التمييز مهم جداً عند دراسة نموذج روژئافا. فالاعتراف بالكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن وغيرهم لا يكفي وحده لتحقيق الاندماج. وكذلك الاعتراف بالإسلام والمسيحية والإيزيدية وغيرها من المعتقدات لا يؤدي تلقائياً إلى بناء مجتمع متكامل. السؤال الأهم هو: هل يستطيع هذا التنوع أن يتحول إلى أساس لمواطنة مشتركة؟

نشأت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا في ظروف استثنائية: حرب أهلية، انهيار مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، صعود تنظيم داعش، التدخلات الإقليمية والدولية، والنزوح الواسع للسكان. وفي هذه البيئة حاولت الإدارة الناشئة بناء مؤسسات محلية تعتمد على المجالس والكومونات والهيئات المدنية، بدلاً من الاقتصار على نموذج الدولة المركزية التقليدية. وفي العقد الاجتماعي لعام 2023، عرّفت الإدارة الذاتية نفسها باعتبارها جزءاً من سوريا، ونصت الوثيقة على مبادئ الديمقراطية والبيئة والمجتمع وحرية المرأة، كما أكدت أن شرعيتها تستند إلى المشاركة الحرة والمتساوية. وتكتسب المادة المتعلقة باللغات أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ تنص الوثيقة على المساواة بين لغات المنطقة في الحياة الاجتماعية والتعليمية والثقافية، وتعترف بالعربية والكردية والسريانية كلغات رسمية في مناطق الإدارة الذاتية. وهنا تظهر إحدى الأفكار الجوهرية في النموذج: الوحدة لا تتطلب بالضرورة التجانس. فبدلاً من القول إن بناء الوحدة السياسية يتطلب وجود لغة واحدة وثقافة واحدة وهوية واحدة، تنطلق التجربة من افتراض معاكس: يمكن بناء الوحدة على أساس الاعتراف بالاختلاف. وهذا، من الناحية النظرية، انتقال مهم من مفهوم الدولة المتجانسة إلى مفهوم المجتمع السياسي المتعدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *