من قائد قسد المنحلّة إلى مستشار في مؤسسة الرئاسة – محمد ديب أحمد

هل نحن أمام انتقال في الموقف أم انتقال في أدوات العمل ؟
ليست كل التحولات السياسية تراجعاً، كما أن مغادرة موقع القوة لا تعني بالضرورة مغادرة ميدان التأثير .
أحياناً لا يغيّر السياسي وجهته، بل يغيّر موقعه على الخريطة . وأحياناً لا يتخلى عن أداة لأنه خسر المعركة، بل لأن معركة المرحلة الجديدة تحتاج إلى أدوات مختلفة .
وهنا تحديداً تبدأ القصة .
فالرجل الذي كان يقف على الطرف الآخر من طاولة التفاوض ، مسنوداً بقوة عسكرية وجغرافية وعلاقات دولية ، يجد نفسه اليوم قريباً من الطاولة نفسها، ولكن من الجهة الأخرى، وكطرف يحمل صفة رسمية داخل قمة الهرم .
يبدو الانتقال ، في ظاهره ، من قيادة قوة عسكرية إلى منصب استشاري للشؤون الكردية داخل مؤسسة الرئاسة . لكن السياسة لا تُقرأ دائماً من أسماء المناصب، ولا تُقاس أهمية المواقع بما تحمله من ألقاب .
السؤال الأهم ليس :
 ماذا يعني المنصب للسيد مظلوم عبدي شخصياً ؟
بل سؤال أكثر اتساعاً :
هل نحن أمام انتقال في الموقف، أم أمام انتقال في أدوات العمل السياسي ؟
فالفرق بين السؤالين ليس بسيطاً .
لسنوات، كان الفاعل الكردي يتحرك من موقع عسكري وسياسي يقع خارج البنية المركزية للدولة السورية، ويتفاوض مع المركز من موقع قوة مستقلة نسبياً، لها جغرافيتها ومؤسساتها وقواتها وعلاقاتها الدولية .
أما اليوم ، فإن الموقع الجديد ينقله، من حيث المبدأ، إلى داخل المؤسسة التي كانت تمثل الطرف المقابل في معظم مراحل التفاوض .
وهنا تظهر المفارقة السياسية الأولى :
الفاعل الذي كان يتفاوض مع مركز القرار من خارجه، أصبح موجوداً داخل مركز القرار نفسه.
– لكن المفارقة وحدها لا تمنحنا الإجابة .
فقد يكون الأمر انتقالاً إلى موقع استشاري محدود ، هدفه استيعاب شخصية ذات وزن سياسي وعسكري ضمن بنية الدولة الجديدة . وقد يكون انتقالاً في أدوات العمل، بحيث يصبح الحضور داخل المؤسسة وسيلة للتأثير في القرارات المتعلقة بالقضية الكردية من داخل بنية الدولة ، بدلاً من محاولة التأثير فيها من خارجها.
والفرق بين الاحتمالين لن تحسمه تسمية المنصب، وإنما ما سيترتب عليه من ممارسة سياسية فعلية .
– من خارج المؤسسة إلى داخلها
تاريخ الحركات السياسية يبين أن الوصول إلى الأهداف لا يتم دائماً بالطريقة نفسها .
فالفاعل السياسي الذي يواجه بنية مغلقة قد يستخدم الاحتجاج أو التفاوض أو القوة أو الضغط الخارجي، لكن تغير موازين القوى والظروف الإقليمية والدولية قد يفرض عليه البحث عن أدوات أخرى.
وهنا تصبح المشاركة داخل المؤسسة نفسها أداة محتملة من أدوات التأثير.
ولا يعني الدخول إلى المؤسسة بالضرورة انتصاراً عليها ، كما لا يعني بالضرورة استسلاماً لها . فالسياسة أكثر تعقيداً من هذه الثنائية .
المؤسسة قد تستوعب الفاعل، والفاعل قد يؤثر في المؤسسة ، وأحياناً يحدث الأمران في الوقت نفسه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس : من استوعب من ؟
بل: ماذا سينتج عن هذا الدخول ؟
إذا أصبح وجود الشخصية الكردية داخل مؤسسة الرئاسة قادراً على نقل المطالب الكردية إلى مركز صناعة القرار، والمشاركة في صياغة السياسات المتعلقة بالكرد ، ومتابعة تنفيذ التفاهمات، والتأثير في ملفات الاندماج والإدارة المحلية والحقوق الثقافية والسياسية، فإننا نكون أمام انتقال حقيقي في أدوات العمل السياسي .
أما إذا بقي الموقع رمزياً أو محدود التأثير ، فإن الصورة ستكون مختلفة تماماً .
وهنا لا تكفي النوايا، ولا البيانات، ولا الاحتفاء بالمنصب .
المعيار هو الأثر .
– السلوك المتراكم أهم من النوايا
هنا ينبغي للباحث أن يكون حذراً . ليس من مهمته أن يخبر القارئ بما يدور في عقل هذا الطرف أو ذاك، ولا أن يفترض وجود خطة سرية لا يستطيع إثباتها .
المتاح للباحث هو شيء أكثر صلابة :
السلوك السياسي المتراكم .
ومن يراقب مسار هذه التجربة خلال سنوات طويلة يلاحظ أن الأداة لم تكن ثابتة دائماً ؛ فقد انتقلت من العمل العسكري إلى السياسي، ومن المواجهة إلى التفاوض ، ومن بناء المؤسسات المحلية إلى التفاهم مع المركزى، ومن الاعتماد على القوة الذاتية إلى البحث عن صيغة اندماج داخل الدولة .
ومن نافذتي ،
أرى أن هذه التحولات لا تقدم لنا حكماً نهائياً على الأهداف ، لكنها تسمح بطرح سؤال مشروع :
هل تتغير الوسائل لأن الغاية تغيرت ؟
أم لأن الطريق إلى الغاية أصبح يتطلب أدوات مختلفة ؟
وهنا تحديداً ينبغي ألا نسبق الأحداث .
فالوقائع المقبلة هي التي ستجيب .
– من القضية إلى موقع القضية داخل الدولة
ربما يكون التحول الأهم الذي ينبغي مراقبته هو أن القضية الكردية نفسها قد تكون أمام انتقال في موقعها .
فبدلاً من أن تبقى قضية تفاوض بين طرفين، أحدهما يمثل الدولة والآخر يمثل قوة سياسية وعسكرية خارج بنيتها، قد تنتقل تدريجياً إلى أن تصبح ملفاً سياسياً يُناقش داخل مؤسسات الدولة نفسها .
وهذه ، إن حدثت فعلاً، ليست مسألة صغيرة .
فالفرق كبير بين أن تطالب بحقوقك من خارج المؤسسة، وبين أن تصبح لك قناة داخل المؤسسة التي تصوغ القوانين والقرارات المتعلقة بهذه الحقوق .
لكن هذا التحول يحمل في الوقت نفسه مخاطره .
فالدخول إلى المؤسسة يمنح فرصة للتأثير، لكنه يضع الفاعل أمام اختبار جديد :
هل يستطيع الحفاظ على استقلالية رؤيته السياسية وهو يعمل من داخل بنية الدولة ؟
وقد لا يكون النجاح الحقيقي في البقاء خارج السلطة، ولا في الذوبان داخلها، بل في القدرة على تحويل الحضور داخل المؤسسة إلى تأثير سياسي ملموس، دون فقدان القضية مضمونها ، ودون أن يتحول القرب من مركز القرار إلى ابتعاد عن جوهر المطالب .
فالقضية لا تُقاس بعدد المقاعد حول الطاولة ، وإنما بما تستطيع أن تنتزعه من حقوق حين تجلس إليها.
– القوة لا تختفي… لكنها قد تغيّر شكلها
لطالما كانت القوة العسكرية عاملاً أساسياً في فرض الحضور السياسي على طاولة التفاوض.
لكن القوة، في السياسة، ليست دائماً بندقية .
قد تكون جغرافيا، أو مؤسسات، أو شرعية، أو علاقات دولية، أو قدرة على التفاوض، أو حتى وجوداً مؤثراً داخل مركز صناعة القرار.
ولهذا فإن انتقال أداة القوة من خارج المؤسسة إلى داخلها لا يعني بالضرورة اختفاء القوة، بل ربما يعني إعادة تعريفها.
في السابق كان السؤال :
ماذا تستطيع أن تفعل من خارج الدولة ؟
أما اليوم فيصبح السؤال :
ماذا تستطيع أن تغيّر من داخلها ؟
وهذا سؤال أصعب .
فالعمل من الخارج يسمح لك بأن تقول «لا» بصوت مرتفع، أما العمل من الداخل فيجبرك على أن تعرف متى تقول «نعم»، ومتى تقول «لا»، ومتى تقبل حلاً مؤقتاً، ومتى ترفضه، ومتى تحول التنازل التكتيكي إلى مكسب سياسي، ومتى تمنع التنازل من أن يتحول إلى خسارة استراتيجية.
وهنا تظهر قيمة الخبرة السياسية، لا قيمة المنصب وحده.
– الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الدخول
لذلك، فإن انتقال قائد قسد المنحلّة إلى موقع استشاري في مؤسسة الرئاسة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خاتمة لمسار طويل، بل باعتباره بداية اختبار جديد.
لقد انتهت، أو تكاد تنتهي، مرحلة كانت فيها القوة العسكرية إحدى أهم أدوات التأثير .
أما المرحلة الجديدة فتطرح سؤالاً مختلفاً:
هل يستطيع الحضور داخل مركز القرار أن ينتج ما لم تستطع القوة خارج المركز أن تنتجه؟
الإجابة لن تأتي من البيانات، ولا من صور اللقاءات، ولا من الاحتفال بالتعيين.
ستأتي من الملفات التي سيشارك فيها، والقرارات التي يستطيع التأثير فيها، وطبيعة الحقوق التي ستتحول من مطالب إلى نصوص، ومن نصوص إلى مؤسسات، ومن مؤسسات إلى ممارسة فعلية في حياة الناس.
وفي عالم السياسة، ربما لا يكون تغيير الموقع دليلاً كافياً على تغيير الهدف.
أحياناً يتغير الباب، لأن الطريق نفسه تغير .
لكن الباب الجديد لا قيمة له إذا لم يؤدِّ إلى غرفة القرار.
وحتى الوصول إلى غرفة القرار لا يكفي، إذا بقي صاحب القضية واقفاً عند الباب.
فالمنصب قد يفتح الباب، لكنه لا يصنع النفوذ. والقرب من مركز القرار قد يمنح الفرصة، لكنه لا يصنع القرار.
الذي يصنع الفرق هو ما سيخرج من ذلك الباب إلى حياة الناس.
وعندها فقط، لن تحتاج السياسة إلى كثير من الشرح.
فالنتائج لا تتفاوض … إنها تظهر .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *