ذاكرة التهجير والإعدام لا تكفي وحدها… فالإنصاف والحقوق والخدمات حقٌّ لا يسقط بالتقادم
ليست قضية الكورد الفيليين صفحةً عابرة في تاريخ العراق ، ولا مأساةً يمكن اختزالها في سنوات التهجير والتسفير والإعدامات. إنها قضية مكوّن أصيل من مكوّنات المجتمع العراقي، دفع ثمناً باهظاً بسبب هويته وانتمائه ، وتعرض لعقود من القمع والتمييز ومصادرة الحقوق والممتلكات ، حتى تحولت معاناة آلاف العائلات إلى جرحٍ مفتوح لم يُغلق بعد
لقد عاش الكورد الفيليون على أرض العراق ، وأسهموا في بنائه اقتصادياً واجتماعياً ووطنياً ، وكانوا جزءاً أصيلاً من نسيجه ، ولا سيما في بغداد ومناطق ديالى وواسط وغيرها ، ومع ذلك ، تعرضوا لسياسات قاسية شملت التهجير القسري ، وإسقاط الجنسية ، ومصادرة الأموال والممتلكات ، واعتقال الشباب ، والإخفاء والإعدام ، في واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ العراق الحديث .
وبعد مرور سنوات طويلة على سقوط النظام السابق ، يبقى السؤال مشروعاً ومؤلماً
إلى متى تستمر معاناة الكورد الفيليين ؟ ومتى تتحول الاعترافات والوعود إلى إجراءات حقيقية تنصف الضحايا وتعيد الحقوق إلى أصحابها ؟
الكورد الفيليون… مكوّن أصيل في العراق
الكورد الفيليون هم من المكونات الكوردية الأصيلة ، ويتحدثون بلهجة كوردية تُعرف باللهجة الكلهرية، وينتشرون تاريخياً في مناطق من العراق وإيران ، فضلاً عن حضورهم المعروف في العاصمة بغداد .
وقد كان شارع الكفاح ، المعروف سابقاً بشارع الملك غازي ، ومنطقة عكد الأكراد من أبرز مراكز وجودهم وحياتهم الاجتماعية والتجارية في بغداد ، حيث شكلوا جزءاً مهماً من الحياة الاقتصادية والثقافية للمدينة .
لكن هذا الوجود لم يمنع تعرضهم لسياسات التمييز والقمع ، ولا سيما خلال حقبة الأنظمة القومية والبعثية ، التي بلغت ذروتها في عهد الدكتاتور صدام حسين .
عقود من القمع والتهجير
تعرض الكورد الفيليون لحملات واسعة من التهجير القسري والتسفير، وسُلبت منهم الجنسية العراقية ، وصودرت ممتلكاتهم وأراضيهم ، كما اعتُقل عدد كبير من شبابهم ، وتعرضوا للتعذيب والإخفاء والإعدام .
وكانت مأساة الشباب الفيليين من أكثر الفصول قسوة : إذ اختفى الآلاف منهم ، ولم تعرف عائلات كثيرة مصير أبنائها حتى اليوم .
إن استعادة حقوق هؤلاء الضحايا ليست قضية سياسية فحسب ، بل هي قضية إنسانية ووطنية وأخلاقية ، تتطلب معالجة جادة تحفظ الذاكرة وتنصف العائلات التي عانت وما زالت تعاني من آثار تلك الحقبة .
بعد عام 2003… هل انتهت المعاناة ؟؟
بعد التغيير السياسي في العراق عام 2003 وسقوط النظام السابق ، كان الكورد الفيليون يأملون أن تبدأ مرحلة جديدة من الإنصاف وتعويض ما لحق بهم من ظلم .
إلا أن الكثير من مناطق وجودهم ما زالت تعاني من نقص في الخدمات الأساسية والبنية التحتية ، سواء في بغداد أو في مناطق مثل مندلي وخانقين وكنعان وبدرة وجصان وغيرها
كما أن أوضاع العديد من الكورد الفيليين في الجانب الآخر من الحدود، ولا سيما في مناطق من كرمانشاه وإيلام وسومار وغيرها ، تحتاج أيضاً إلى اهتمام ومتابعة ، باعتبار أن القضية الفيليّة ذات امتداد تاريخي واجتماعي يتجاوز الحدود السياسية .
ويُقدَّر عدد الكورد الفيليين بملايين الأشخاص، وهم يتحدثون الكوردية الفيلية إلى جانب العربية والفارسية ، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى مؤسسات ثقافية وإعلامية تعبّر عن خصوصيتهم وتخدم قضاياهم .
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إذاعة أو وسيلة إعلامية متخصصة تقدم البرامج الثقافية والاجتماعية والأخبار باللغة الكوردية الفيلية ، وتسهم في الحفاظ على الهوية والتراث واللغة ، وتكون جسراً بين أبناء هذا المكوّن في العراق وإيران والمهجر
المهنة والعمل .. حضور اقتصادي متجذر
عرف الكورد الفيليون تاريخياً بنشاطهم في التجارة والزراعة والبستنة والصناعات والحرف اليدوية والفنية ، وكان لهم حضور بارز في أسواق بغداد ، وفي مقدمتها سوق الشورجة ، حيث أسهموا في الحركة الاقتصادية والتجارية للعاصمة
ومع ذلك ، فإن هذا الحضور الاقتصادي والاجتماعي لم يحصّنهم من سياسات التمييز التي مارستها الأنظمة السابقة بحقهم ، عندما جرى التعامل معهم على أساس ما سُمّي بـ “التبعية الإيرانية “ وهي سياسة ترتب عليها تسفير أعداد كبيرة منهم ومصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم وتجريدهم من حقوقهم المدنية.
لقد كانت تلك الإجراءات ضربة قاسية لعائلات كاملة ، لم تفقد وطنها فحسب ، بل فقدت أيضاً البيوت والأراضي والوثائق والممتلكات ، فضلاً عن أبنائها الذين تعرضوا للاعتقال والإخفاء والإعدام .
ماذا يحتاج الكورد الفيليون اليوم ؟
إن معالجة القضية الفيليّة تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة وخطة عملية ، وليس إلى بيانات ومناسبات ووعود مؤجلة
ومن أبرز الخطوات الضرورية :
أولا : تحسين الواقع الخدمي في مناطق وجود الكورد الفيليين ، وتوفير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وطرق وبنية تحتية .
ثانيا : تنفيذ مشاريع تنموية حديثة في بغداد والمناطق التي يسكنها الكورد الفيليون، بما يضمن توفير حياة كريمة وفرص عمل ومستقبلاً أفضل للأجيال الجديدة .
ثالثا : تسهيل عودة الكورد الفيليين الذين تم تهجيرهم وتسفيرهم ، ومعالجة أوضاعهم القانونية ، وتعويض المتضررين ، وإعادة الحقوق والممتلكات التي صودرت منهم ، وإصدار الوثائق والمستمسكات الرسمية لمن حُرموا منها .
رابعا : العمل على تمثيل سياسي حقيقي للكورد الفيليين في المؤسسات التشريعية والتنفيذية ، بما يضمن إيصال صوتهم والدفاع عن حقوقهم المشروعة .
تأسيس مؤسسة إعلامية أو إذاعة متخصصة ناطقة باللهجة الكوردية الفيلية “الكلهرية“خامسا : تأسيس تهتم بالأخبار والثقافة والتراث والتاريخ وقضايا المجتمع الفيلي ، وتعمل على حماية اللغة والهوية من الاندثار .
سادسا : انشاء مؤسسات ثقافية واجتماعية تعنى بتوثيق تاريخ الكورد الفيليين، وحفظ أسماء الضحايا والمفقودين ، وجمع الوثائق والشهادات ، لكي تبقى الذاكرة حية ولا تتكرر المأساة .
كلمة أخيرة
إن إنصاف الكورد الفيليين ليس منّةً من أحد ، ولا مطلباً فئوياً ضيقاً ، بل هو جزء من عملية تصحيح تاريخية ووطنية يحتاجها العراق كله .
فالعراق الذي يريد بناء دولة المواطنة لا يمكن أن يتجاهل جراح مكوّن أصيل من مكوناته ، والعراق الذي يتطلع إلى المستقبل لا بد أن يصالح ماضيه بالعدالة والإنصاف .
لقد عانى الكورد الفيليون كثيراً ، ودفعوا ثمناً باهظاً بسبب هويتهم وانتمائهم ، وحان الوقت لكي تتحول قضيتهم من ملف مؤجل إلى مشروع وطني واضح للإنصاف وإعادة الحقوق وبناء المستقبل .
ويبقى السؤال قائماً:
الكورد الفيليون… بعد كل هذه العقود من الألم ، إلى متى تبقى حقوقهم معلّقة بين الوعود والانتظار ؟؟؟

