في السياسة ، هناك فرق كبير بين أن تحصل على موقع ، وأن تحصل على حق .
الموقع قد يأتي مع ظرف سياسي ،
أو تفاهم ، وربما من تحالف ، وقد يذهب مع تغيّر الأشخاص والظروف والتحالفات .
أما الحق ، فلا يصبح مستداماً إلا عندما يتحول إلى قانون ، وتحميه مؤسسة ، وتوجد ضمانة تجعل التراجع عنه أكثر صعوبة .
وهنا تكمن إحدى أهم المسائل التي تواجه الكرد في سوريا اليوم .
فالمشهد السوري تغير بصورة كبيرة خلال العامين الماضيين .
لم تعد سوريا هي الدولة التي أنكرت ،
في مراحل طويلة ، حتى وجود جزء من مواطنيها الكرد وحقوقهم الثقافية واللغوية . وسواء جاء التحول نتيجة مراجعة سياسية أم تحولات فرضتها المرحلة الجديدة ، فالمهم أن الواقع تغير ، وأن مناطق شمال شرقي سوريا لم تعد تعيش الوضع نفسه الذي نشأ خلال سنوات الحرب .
وفي 16 كانون الثاني 2026 ، صدر المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي أكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري ، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية المتعددة ، كما نص على حماية حقهم في تراثهم وتطوير لغتهم الأم .
ولابد هنا من التوقف عند الكلمات ؛
فالكلمات في السياسة ليست مجرد عبارات ، بل لها مدلولات ومعانٍ ، وقد تتحول إلى قواعد ومؤسسات إذا طُبقت .
ثم جاء التحول الأكبر في الملف العسكري والسياسي ، مع انتقال قوات سوريا الديمقراطية من قوة عسكرية مستقلة إلى مسار الاندماج في مؤسسات الدولة السورية ، وصولاً إلى إعلان السيد مظلوم عبدي في 25 آب 2026 انتهاء مهمة قسد وحلها كقوة عسكرية مستقلة بعد دمج قواتها في ألوية الجيش السوري .
قد يراه البعض نهاية ، وآخرون بداية جديدة .
أما قراءتي للمشهد ، فهي أن السياسة لا تُقرأ من عناوينها فقط ، بل إن النتائج هي بيضة القبان .
فإذا كانت المرحلة السابقة قد أنتجت قوة عسكرية ، وتحالفات دولية ، وإدارة محلية ، وحضوراً سياسياً ، ونفوذاً تفاوضياً ،
فالسؤال هو :
ماذا سيبقى من كل ذلك عندما تتغير أدوات المرحلة ؟
هل يتحول ما تراكم خلال السنوات الماضية إلى حقوق ومؤسسات وقوانين ؟
أم أن بعض المكاسب ستبقى مرتبطة بظروفها ، فتتغير بتغير موازين القوى ؟
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي .
فالقوة العسكرية تستطيع أن تمنع خصماً من فرض إرادته ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكتب دستوراً دائماً .
والإدارة المحلية تستطيع أن تدير المدارس والخدمات والمؤسسات ، لكنها تحتاج إلى اعتراف قانوني واضح بصلاحياتها .
أما القانون ، إذا كان واضحاً وملزماً، فيبقى .
القضية الكردية في سوريا تدخل مرحلة مختلفة عن المرحلة التي سبقتها .
ولم يعد السؤال الرئيسي هو :
هل يمتلك الكرد قوة عسكرية كافية ؟
السؤال الأصعب هو :
هل يستطيعون تحويل وزنهم السياسي والاجتماعي والتاريخي ، وما راكموه خلال سنوات الحرب ، إلى صيغة دستورية ومؤسساتية مستدامة ؟
وهنا يجب أن تكون الأولوية للحقوق ،
لا للمناصب .
قد يكون وجود شخصية كردية في موقع حكومي مهماً سياسياً ، لكنه لا يعادل الاعتراف باللغة الكردية في القانون ،
ولا يساوي ضمان المشاركة السياسية ،
ولا يعوض عن مؤسسات محلية بصلاحيات واضحة ، ولا يغني عن حماية الحقوق السياسية والتعليمية .
المناصب أشخاص ، أما الحقوق فهي مؤسسات وقوانين .
فالمشاركة في السلطة والحضور داخل مؤسسات الدولة مهمان ، والعمل من داخلها قد يكون أكثر استدامة من البقاء خارجها ، لكن كل ذلك يصبح أقوى عندما يستند إلى قواعد قانونية واضحة ، لا إلى وعود قابلة للتبدل .
ومن هذا المنطلق ، فإن انتقال الكرد من مرحلة القوة العسكرية إلى مرحلة العمل داخل مؤسسات الدولة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خسارة أو انتصاراً بحد ذاته .
المعيار أبسط وأصعب في الوقت نفسه :
ماذا سيحصل عليه الكرد من حقوق ثابتة بعد انتهاء مرحلة السلاح ؟
هنا تصبح التفاصيل أهم من الشعارات :
كيف ستكون مكانة اللغة الكردية ؟
كيف سيُضمن التعليم باللغة الأم ؟
كيف ستكون الإدارة المحلية ؟
ما حدود صلاحياتها ؟
كيف ستكون المشاركة السياسية ؟
وكيف ستُثبت هذه الحقوق في الدستور والقوانين والمؤسسات ، بحيث لا تبقى رهينة لمزاج السلطة أو تبدل الظروف السياسية ؟
المرسوم الرئاسي رقم 13 يمثل اعترافاً مهماً من حيث المبدأ ، لكنه يفتح باباً لأسئلة أكبر من نص المرسوم نفسه .
فالاعتراف بالوجود والهوية خطوة ، لكن السياسة لا تتوقف عند الاعتراف .
ماذا بعد الاعتراف ؟
كيف يتحول النص إلى ممارسة ؟
وكيف تتحول الممارسة إلى مؤسسة ؟
وكيف تتحول المؤسسة إلى حق لا يستطيع أحد أن يسحبه بميزاجية وسهولة ؟
هذه الأسئلة ليست معادية لوحدة سوريا ، بل يمكن أن تكون جزءاً من بناء هذه الوحدة .
وأرى أن الوحدة التي تقوم على الإنكار تحتاج دائماً إلى القوة كي تحافظ على نفسها ، أما الوحدة التي تقوم على الاعتراف والحقوق والقانون ، فتكون المؤسسات هي الفيصل فيها .
ولا يمكن هنا أن نتجاهل الطرف الآخر من المعادلة :
الكرد أنفسهم … !
فالقضية الكردية أكبر من أي حزب ،
وأكبر من أي قائد ،
وأكبر من أي إدارة أو قوة عسكرية . والمرحلة الجديدة تحتاج إلى ترتيب الأولويات .
ليس المطلوب أن يتفق الجميع على كل شيء، لكن المطلوب أن يكون هناك اتفاق على الحد الأدنى من الحقوق التي لا ينبغي أن تتحول إلى مادة للمساومة الداخلية .
ربما أو يمكن أن يختلف الكرد على الوسيلة ، وعلى شكل الإدارة ، وعلى التفاصيل السياسية ، وعلى طريقة التفاوض .
لكن الحقوق الأساسية يجب ألا تصبح رهينة للحسابات الحزبية الضيقة .
ولعل أصعب ما في السياسة الكردية اليوم هو الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة بناء المؤسسات .
في مراحل الصراع ، يصبح الدفاع عن الوجود أولوية ، وتصبح القوة ضرورة ، وتدخل التحالفات الخارجية في معادلة البقاء .
لكن عندما تبدأ مرحلة بناء الدولة ، تتغير قواعد اللعبة .
هنا تصبح الوثيقة أهم من الخطاب ،
والقانون أهم من الوعد ،
والمؤسسة أهم من الشخص ،
والضمانة أهم من النوايا .
وهذا لا يعني تجاهل موازين القوة . فالسياسة لا تقوم على الأمنيات ، لكنها أيضاً لا تقوم إلى الأبد على القوة وحدها .
قد تكون القوة قد فتحت باباً ،
لكن السياسة هي التي تقرر ماذا سنضع خلف ذلك الباب .
لذلك ، ربما لا يكون السؤال الصحيح اليوم :
من ربح ومن خسر ؟
ولا من بقي في السلطة ومن خرج منها ؟
بل السؤال الأهم :
ماذا بقي ؟
هل بقيت المناصب ؟ قد تتغير .
هل بقيت التحالفات ؟ قد تتبدل .
هل بقي السلاح ؟ قد يُدمج .
لكن إذا بقيت الحقوق في الدستور والقانون والمؤسسات ، فحينها فقط يمكن القول إن شيئاً جوهرياً قد تغير .
فالسياسة لا تُقاس فقط بما ينتزعه الأقوياء في لحظة معينة ، بل بما يستطيعون تحويله إلى حق لا يحتاج إلى قوة كل يوم لحمايته .
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب .
ليس الحصول على المكاسب … بل تحويل المكاسب إلى حقوق .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

