ثمة تفاصيل صغيرة في حياة الإنسان تبدو عابرة حين يعيشها، لكنها تكبر مع مرور الزمن حتى تصبح أكثر حضورًا من الأحداث الكبيرة نفسها. وكلما عدت بذاكرتي إلى سنوات النضال الأولى، أجد أن بعض المشاهد ما زالت تقف أمامي بكل وضوح، كأنها حدثت بالأمس، رغم أن عقودًا من الزمن تفصلني عنها
في تلك المرحلة من حياتي، حين كنت أنشط في صفوف الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)، كان ذهابي إلى منطقة جبل الكرد يتكرر باستمرار. ولم تكن تلك الرحلات سهلة أو عادية، بل كانت جزءًا من حياة سرية فرضتها ظروف سياسية قاسية عاشها أبناء شعبنا الكردي، الذين كانوا يناضلون من أجل الإعتراف بوجودهم وحقوقهم القومية والإنسانية المشروعة.
كنت بعد أن أصل من حلب أنطلق من عفرين إلى قرية جوقه بعد حلول الظلام، متجنبًا الطرق المأهولة والأنظار الفضولية. أسير على الأقدام عدة ساعات عبر الحقول والهضاب والمرتفعات الكلسية البيضاء التي حفظت خطوات أجيال من الفلاحين والحالمين والعشاق والمناضلين. كان الليل آنذاك صديقي الأمين؛ يخفي تحركاتي ويمنحني شعورًا بالأمان، رغم ما كان يعتريه من احتمالات الخطر.
وكنت، في معظم تلك الرحلات، أمر أولًا بقريتي جوقة. لم يكن ذلك مجرد توقف عابر، بل كان أشبه بالعودة المؤقتة إلى الجذور قبل متابعة الطريق وعلى أنه نقطة لقاء مع رفيق آخر أو محطة إستراحة لمتابعة السير إلى قرية أخرى . وما زلت أذكر ذلك الشعور المختلط الذي كان ينتابني كلما اقتربت من القرية. كنت أشعر بدفء الانتماء إلى المكان الذي ولدت فيه، وفي الوقت نفسه أحمل حذرًا دائمًا تفرضه طبيعة العمل السري.
كانت أول محطة للمبيت منزل الصديق والمناضل عبد العزيز كلين الذي يقع في أطراف القرية. لم نكن بحاجة إلى كلمات كثيرة بيننا، فقد صنعت الأيام والظروف لغة خاصة من الثقة والتفاهم. وكان بيننا اتفاق بسيط في شكله، عظيم في معناه فعندما أصل إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، لا أطرق الباب، ولا أنادي باسمه. كنت ألتقط حصاة صغيرة من الأرض وأرميها نحو النافذة الخشبية للغرفة العلوية.
حتى اليوم، ما زلت أسمع في ذاكرتي ذلك الصوت الخافت:
نقرة صغيرة بالكاد تُسمع وسط صمت الليل. لكنها بالنسبة إلينا كانت تحمل رسالة كاملة. كانت تقول: “لقد وصلت.”
وما هي إلا لحظات حتى يتحرك عبد العزيز في الداخل. لم يكن يفتح الباب مباشرة، بل كان يؤدي أولًا مهمة أصبحت جزءًا من طقوس تلك الليالي. كان يتجه إلى كلب الحراسة ويقتاده بهدوء إلى إسطبل الدواب، ثم يقيده هناك كي لا ينبح عند دخولي.
قد يبدو هذا التفصيل بسيطًا لمن يقرأه اليوم، لكنه بالنسبة لنا كان جزءًا من منظومة دقيقة من الحذر والمسؤولية. فقد كان نباح الكلب كفيلًا بإيقاظ والديه من نومهما، وربما تنبيه الجيران أيضًا . وفي القرى الصغيرة كانت الأصوات الليلية غير المألوفة ونباح الكلب تثير الفضول سريعًا، وقد تتحول الأسئلة البسيطة إلى شكوك نحن في غنى عنها.
وكلما استعدت هذه الصورة، أشعر أن ذلك الكلب نفسه كان جزءًا من حكايتنا دون أن يدري. كنا نخشى صوته ليس لأنه عدو، بل لأنه يؤدي واجبه بإخلاص. وكنا نؤدي واجبنا نحن أيضًا بإخلاص مماثل، كلٌ بطريقته الخاصة.
بعدها كنت أدخل إلى المنزل بهدوء، فأجد نفسي في عالم مختلف تمامًا عن عالم الخارج. هناك كانت تختفي مشقة الطريق الطويلة، ويذوب التعب الذي حملته على كتفي طوال ساعات السير. لم يكن ذلك بسبب الراحة الجسدية فحسب، بل بسبب الشعور العميق بالأمان الإنساني الذي كنت أجده بين أولئك الناس الطيبين.
لقد تعلمتُ من تلك التجارب أن النضال لا تصنعه القيادات والخطب والشعارات وحدها. النضال الحقيقي تصنعه أيضًا تلك الأيادي التي تفتح أبوابها بصمت، والقلوب التي تتحمل الخوف من أجل حماية رفيق أو فكرة، والعائلات التي تشارك المناضلين أعباء الطريق دون أن تطلب شيئًا في المقابل.
كان عبد العزيز واحدًا من أولئك الرجال الذين لا تذكرهم الكتب كثيرًا، لكن التاريخ الحقيقي يعيش في أمثالهم. رجال بسطاء في مظهرهم، كبار في مواقفهم، حملوا هموم شعبهم دون ضجيج، وآمنوا بأن خدمة القضية ليست بحثًا عن شهرة أو مكسب، بل واجب أخلاقي وإنساني.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أجد أن ما بقي في ذاكرتي ليس الخوف الذي رافق تلك المرحلة، بل الجمال الإنساني الكامن فيها. أذكر وجوه الرفاق أكثر مما أذكر المخاطر، وأذكر دفء البيوت أكثر مما أذكر قسوة الطريق، وأذكر الثقة التي كانت تجمعنا أكثر مما أذكر القلق الذي كان يحيط بنا.
وحين أعود بذاكرتي إلى تلك الليالي البعيدة، أرى شابًا يسير وحيدًا في ظلام الريف عبر الوديان والمرتفعات متجهًا نحو قرية صغيرة، يحمل في قلبه حلمًا أكبر من عمره، وإيمانًا أكبر من قدراته الفردية. ثم أراه يتوقف تحت نافذة خشبية، يلتقط حصاة من الأرض، ويرسل بها إشارة صغيرة إلى صديق ينتظره في الداخل.
كانت مجرد نقرة على نافذة في ظلام الليل.
لكنها، في الحقيقة، كانت نقرة على باب الأمل. وكانت إعلانًا صامتًا بأن شعلة النضال ما زالت متقدة، وأن الرجال الذين آمنوا بقضيتهم لم تضعف عزائمهم رغم كل الصعاب.
ولذلك بقي ذلك الصوت الصغير حيًا في ذاكرتي، لا كذكرى شخصية فحسب، بل كرمز لمرحلة كاملة من حياتنا، عشناها بإيمان صادق، وحملنا فيها أحلام شعبٍ كان يتطلع إلى الحرية والكرامة والاعتراف بحقوقه المشروعة.
إبراهيم شتلو
ألمانيا، الأول من أكتوبر/ تشرين الآول 2026

