أيا وَطَنًا أضناهُ طولُ البَلاءِ
أما آنَ أنْ تصحوَ منَ الظُّلماءِ؟
أما آنَ أنْ ينجابَ ليلُكَ، بعدما
تجرَّعتَ كأسَ القهرِ والإقصاءِ؟
تُطِلُّ علينا كلَّ يومٍ حكومةٌ
بوجهِ الهدى، وتُضمرُ الإيذاءَ
تُحدِّثُنا عن صبرِ شعبٍ مُعذَّبٍ
وتنهبُ من أموالِهِ بسخاءِ
ملايينُ تُسرَقُ في الظلامِ، كأنَّها
غنائمُ حربٍ، لا حقوقُ رِجاءِ
فمن أينَ جاءَ القومُ هذا غِناهُمُ؟
وأينَ اختفتْ ملياراتُنا الغرّاءُ؟
أجيبوا، فمالُ الشعبِ ليسَ غنيمةً،
ولا حقَّ للسُّرّاقِ في استعلاءِ!
ويُرفعُ سعرُ الدولارِ فوقَ رؤوسِنا،
فتُسحَقُ تحتَ صعودِهِ الأرزاقُ
إذا ارتفعَ الدولارُ ضاقَتْ بيوتُنا،
وصارَ رغيفُ الخبزِ صعبَ المَنالِ
غدا القوتُ ميزانًا لذلِّ فقيرِنا،
وصارَ غلاءُ العيشِ بابَ نَكالِ
ويُؤمَرُ هذا الشعبُ: «صبرًا وطاعةً»،
كأنَّ حقوقَ الناسِ محضُ نِضالِ!
أيا سادةَ الكرسيِّ، مهلاً، فإنَّنا
سئمنا وعودًا زُيِّنَتْ بمحالِ
أتأمرُنا أنْ نُذعنَ اليومَ صاغرينَ،
وأنتمْ تعيشونَ بغيرِ سؤالِ؟
أينَ ذهبتْ ملياراتُنا؟
يقولونَ: في العهدِ القديمِ، وإنَّهُ
زمانٌ مضى، قد كانَ بعضُ اختلالِ
ولكنَّ شعبًا كانَ يروي حكايةً
عنَ الخُمسِ أو بعضِ الحقوقِ تُنالِ
ويُذكرُ أنَّ خمسةً من مئةٍ
تعودُ إلى الشعبِ في بابِ المقالِ
وكانتْ حصصُ التموينِ تأتي بقدرِها،
فتُغني بيوتًا عن سؤالِ السؤالِ
وكانَ الفقيرُ ينامُ ملءَ جفونِهِ،
وفي بيتِهِ قوتٌ، وإنْ قلَّ، كافِ
وكانَ المواطنُ يستمدُّ كرامةً
منَ العيشِ، لا من مِنَّةِ المتعالي
فأينَ ذهبتْ تلكَ الملياراتُ؟
وأينَ نصيبُ الشعبِ من هذا المالِ؟
أفي جيبِ هذا؟ أمْ قصورِ سواهُ؟
أمِ استُنزفتْ في غفلةِ المسؤولِ؟
أمِ الأرضُ صارتْ مِلكَ مَن لا يصونُها،
وصارَ فقيرُ الشعبِ رهنَ السؤالِ؟
أخبرونا، فحقُّ الناسِ ليسَ تفضُّلًا،
ولا يُشترى بالصمتِ والإذلالِ!
وفي العيدِ، يا للعارِ، جاءَتْ هديّةٌ
تُفتِّشُ في جرحِ الفقيرِ عنِ احتفالِ
نصفُ كيلو عدسٍ لكلِّ عائلةٍ،
كأنَّ جياعَ الشعبِ أهلُ نَوالِ!
أهذا هو العيدُ الذي تنتظرُهُ
بيوتٌ تئنُّ منَ الأسى والهزالِ؟
أهذا جزاءُ الصابرينَ على الأذى؟
أهذا جزاءُ الكادحينَ الغوالي؟
ملايينُ تُسرَقُ، ثمَّ يُهدى لفقيرِنا
قليلٌ، ويُطلبُ منهُ شكرُ النِّوالِ!
أتهبونَنا فتاتَ موائدِكمْ،
وتسرقونَ منَ البلادِ موائدَ الآمالِ؟
وأينَ ثمارُ الأرضِ؟ أينَ حصادُها؟
وأينَ عطاءُ التربِ بعدَ نضالِ؟
فلاحٌ شقَّ الأرضَ، أودعَها المنى،
وساقَ إليها الماءَ طولَ الليالي
وأيقظَ في وجهِ الترابِ سنابلًا،
وسمَّدَها من عرقِهِ المتوالي
فلمّا أتتْ أُكُلَ الحقولِ، تفرَّقتْ
خيراتُها، وبقيَ الفقيرُ بخالي
أضاعَ سنينَ العمرِ في زرعِ قوتِهِ،
وعادَ بغيرِ القوتِ، صفرَ الشِّمالِ
فمن يزرعُ الخيراتِ يُحرمْ ثمارَها،
ومن يسرقِ الخيراتِ يحيا بظلالِ؟
إذا جاعَ مَن يحرثُ الأرضَ، فاعلموا
بأنَّ خرابَ الأرضِ يبدأُ منَ الوالي!
تأمَّلْ طوابيرَ البلادِ، فإنَّها
سجلاتُ عارٍ، شاهدةٌ باختلالِ
هنا عندَ أبوابِ المصارفِ واقفٌ
فقيرٌ يُفتِّشُ عن بقايا حلالِ
وهذا أمامَ الوقودِ يقضي نهارَهُ،
ويطوي لياليهِ بطولِ انتظارِ
وذاكَ أمامَ منافذِ التموينِ واقفٌ،
يُداري انكسارَ الروحِ خلفَ السؤالِ
وجوهٌ أذابَ الجوعُ ألوانَها،
وأكتافُ شعبٍ أُثقِلَتْ بالأثقالِ
كأنَّ كرامةَ شعبِنا صارتِ التي
تُوزَّعُ بالأدوارِ عندَ الطوابيرِ!
أفي وطنِ الخيراتِ يُذلُّ مواطنٌ
ليحظى برغيفٍ أو وقودٍ لعيالِ؟
أهذه دولةٌ تصونُ كرامةً،
أمِ الذلُّ صارَ سياسةَ الاستغلالِ؟
لقد طالَ ليلُ الظلمِ حتى حسبتُهُ
سيبقى، وأنَّ الفجرَ محضُ خيالِ
وضاقتْ دروبُ الناسِ، وانسدَّ منفذٌ،
وأُوصدَ بابُ الحلمِ دونَ منالِ
ولكنَّ شعبًا قد تجرَّعَ مُرَّها
لن يمحوَ التاريخُ صوتَ احتمالِ
فلا تحسبوا صمتَ الجياعِ موافقةً،
ولا تحسبوا صبرَ الكرامِ انخذالِ
فإنَّ حقوقَ الناسِ تبقى أمانةً،
ويفضحُ وجهَ الظلمِ مرُّ السؤالِ
وإنَّ الليالي، إنْ تمادتْ عتمةً،
فلا بدَّ أنْ يأتي الصباحُ التالي
فيا موطني، لا تستحِلَّ جراحَنا
مقالًا يُزيَّنُ في خطابِ احتفالِ
ولا تجعلوا الأعيادَ نصفَ عدسِنا،
وتُخفوا وراءَ العدسِ ألفَ احتيالِ
ملياراتُكمْ أينَ اختفتْ؟ أجيبوا،
فحقُّ الشعوبِ أمانةٌ لا تُباعُ بالمالِ!

