في صباحٍ لا يشبه سواه، استيقظَ على ألمٍ حادٍّ في معدته. كان الوجعُ يوقظه منذ أسبوع، فيُسكِتُه ببعض الحبوب، ويخدعُه بكوبٍ من الشاي المرّ، ثم يمضي إلى يومه كأنَّ شيئًا لم يكن. لكنَّ ألم ذلك الصباح كان مختلفًا؛ لم يعد وخزاً عابراً يمكن احتماله، بل شيئاً يلتوي في أحشائه، ويصعدُ ببطءٍ نحو صدره.
جلس على حافة السرير، واضعاً كفَّه على بطنه، وانتظر حتى هدأ الألم قليلاً. غسل وجهه، ارتدى ملابسه، وخرج إلى مكتبه الصغير.
كان المكتب مزدحماً بالكتب والأوراق، تتوزع على جدرانه صورٌ قديمة وشهادات تكريم، وإلى جانب النافذة صورةٌ لزوجته الراحلة. أما على الرف المقابل، فكانت كتب السياسة والتاريخ تتجاور مع دواوين الشعر والروايات، كأنَّ صاحب المكان لم يستطع يوماً الفصل بين ما يؤمن به وما يكتبه، وبين ما يعيشه وما يتمنى لو استطاع نسيانه.
كان سياسياً معروفاً، اعتاد أن يرفع صوته حين يصمت الآخرون، وأن ينتقد ما يراه ظلماً، حتى لو أغضبت كلماته بعض الذين يفضّلون الصمت. لم يكن يخلو يومه من خلافٍ أو نقاش، ولم تكن كتاباته تمرّ دائماً من دون ردودٍ غاضبة. ومع ذلك، لم يكن يتعامل مع الأمر باعتباره بطولة؛ كان يرى أنَّ الكلمة مسؤولية، وأنَّ الصمت، أحياناً، شكلٌ آخر من أشكال المشاركة.
جلس خلف مكتبه، وفتح حاسوبه. ظهرت أمامه صفحة نصٍّ نشره في الليلة الماضية. أعاد قراءة سطوره الأخيرة، ثم أغلق الصفحة فجأة، كأنَّ الكلمات أعادته إلى مكانٍ لا يريد العودة إليه.
لم تمضِ دقائق حتى طُرق الباب.
دخل صديق أخيه ، ألقى السلام، ثم جلس قبالته. كان يعرفه منذ سنوات طويلة، وعرف فيه رجلاً لا يكثر من الشكوى، حتى حين تضيق به الحياة. غير أنَّ السنوات الأخيرة تركت أثرها على وجهه؛ غارت عيناه الخضراوان قليلاً، وانطفأ فيهما بريقٌ كان يسبق ضحكته.
تبادلا الحديث عن الغلاء، وضيق العيش، وأخبار الناس. انتقلا من السياسة إلى الأدب، ومن الأدب إلى الكتابة، حتى قال الصديق:
— أتابع كل ما تكتبه. لا يكاد يفوتني نصٌّ تنشره.
ابتسم صاحب المكتب ابتسامةً باهتة.
— وهل بقي في هذه الأيام من يقرأ؟
— أنا أقرأ كل ما تنشره . وأحياناً أعيد قراءة النص الواحد أكثر من مرة.
سكت قليلاً، ثم أضاف:
— بعض ما تكتبه لا يُقرأ بالعين وحدها.
رفع صاحب المكتب رأسه. لمح الدمع يتجمع في عيني صديقه الخضراوين، ثم ينحدر ببطءٍ على خدّيه.
ارتبك.
— ما بك؟ لماذا تبكي؟
أشاح الرجل بوجهه، ومسح دموعه بكفّه.
— لا شيء… سامحني.
— هل آلمك ما كتبت؟
هزّ رأسه، لكنه لم يجب.
كان هذا الصديق قد فقد ابنه ذو السابعة عشرة ربيعاً مع وزملائه الخمسة الطلاب في حادثٍ مفاجئ. خرج الفتى من البيت ذات يومٍ عادي، كما يخرج كل يوم، ولم يخطر ببال أبيه أنَّ تلك الخطوات ستكون الأخيرة التي يراها. حادثٌ خاطف، لحظةٌ واحدة لا تكاد تُقاس بالزمن، ثم انقسمت الحياة إلى ما قبل وما بعد.
لم يمنحه الحادث فرصةً لوداعٍ أخير، ولا لجملةٍ واحدة يقولها له. ومنذ ذلك اليوم، صار الحزن يسكن عينيه الخضراوين، حتى حين يحاول أن يبتسم.
قال صاحب المكتب بصوتٍ خافت:
— أرى دموعك، وأشعر بك… ليتني لم أنشر ذلك النص.
رفع الصديق عينيه إليه، وقال:
— لا تقل ذلك. لم تخطئ حين كتبت.
نهض، كأنه يخشى أن يخذله صوته إن بقي جالسًا. مدّ صاحب المكتب يده نحوه، لكنه لم يجد ما يقوله. اكتفى بالنظر إلى عينيه، إلى ذلك اللون الأخضر الذي لم يعد قادرًا على إخفاء الخراب.
خرج الصديق وأغلق الباب خلفه برفق.
ظلّ صاحب المكتب جالساً، يحدّق في الباب المغلق. شعر بألم معدته يشتد، وانحنى قليلاً، ضاغطًاً بيده على موضع الوجع. انتظر أن يهدأ، لكنه لم يهدأ هذه المرة. تصبّب العرق على جبينه، وشعر بأنَّ الغرفة تضيق من حوله.
قال لنفسه إنه يحتاج إلى طبيب.
كانت عيادة المستوصف قريبة، لكنه وصل إليها متعباً، كأنه قطع مسافةً طويلة. وجد قاعة الانتظار مكتظةً بالمرضى. اقتربت منه ممرضةٌ بعمر ابنته، وطلبت منه أن يمدّ ذراعه لقياس الضغط. لفّت الجهاز حول ساعده، وانتظرت قليلاً، ثم نظرت إلى الشاشة.
— اثنا عشر ونصف على خمسة ونصف.
سألها:
— هل هذا طبيعي؟ ماذا أفعل كي يرتفع؟
لم تجبه مباشرة. نزعت الجهاز، وسجّلت الرقم في ورقة، ثم التفتت إلى المريض التالي.
قال لها:
— عذراً، متى يأتي الطبيب؟
واصلت عملها كأنها لم تسمع السؤال.
في تلك اللحظة، ارتفع بكاء الطفل، فحمله أبوه وحاول تهدئته. ثم التفت إلى الرجل الجالس قرب النافذة وقال بنبرةٍ تختلط فيها السخرية بالمرارة:
— لا تحتاج إلى طبيب. افتح الإنترنت واسأل غوغل؛ سيعطيك الأجوبة أفضل من بعض أطبائنا.
نظر إليه الرجل، ولم يعرف إن كان يمزح أم يتحدث من وجعٍ قديم.
أضاف الأب:
— حتى القضاة، مثلهم مثل أطبائنا الآن. صار المرء يخاف أن يمرض، وأن يشتكي، وأن يطالب بحقه… كأننا نطلب معروفاً من أحد.
لم يردّ أحد. عاد كلٌّ إلى ألمه، كأنَّ الشكوى نفسها أصبحت جزءاً من أثاث المكان.
نهض وغادر.
في الخارج، ضربه الهواء البارد، فشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده. وقف لحظةً يستند إلى الجدار، ثم أخرج هاتفه. كانت هناك رسالةٌ لم يفتحها، وإشعارٌ من صفحته، واتصالٌ فائت من رقمٍ لا يعرفه. حدّق في الشاشة قليلاً، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه.
أراد فقط أن يعود إلى مكتبه، أن يجلس في مكانه، وأن يترك الألم يهدأ من تلقاء نفسه.
حين دخل المكتب، بدا له المكان غريباً، على الرغم من أنه يعرف كل زاويةٍ فيه. وضع مفاتيحه على الطاولة، وخلع معطفه، ثم جلس. كان وجهه شاحباً، ويداه باردتين.
وقعت عيناه على صورة زوجته.
لم تكن الصورة سوى ورقةٍ قديمة، لكنها فتحت في داخله باباً لم يستطع إغلاقه.
تذكّر المستشفى، ضوء الممرات الأبيض، رائحة المطهّرات، وخطوات الممرضة السريعة التي كانت تمرّ من أمامه من دون أن تحمل جواباً.
تذكّر زوجته ممدّدةً في غرفة العناية المركزة. كان يمسك يدها، ويحدّثها عن أشياء صغيرة لا أهمية لها؛ عن البيت، وعن الأولاد، وعن نافذة المطبخ التي تحتاج إلى إصلاح. كان يتحدث كأنه يستطيع أن يعيدها إلى الحياة بتفاصيل الحياة نفسها.
فتحت عينيها بصعوبة، ونظرت إليه. ابتسمت. كانت ابتسامةً قصيرة، واهنة، لكنها بقيت في ذاكرته أكثر من كل الكلمات التي تبادلاها طوال العمر. أراد أن يقول لها إنه يحبها، وإنه لم يستعدّ لفكرة الحياة من دونها، وإن كل ما بينهما من خلافاتٍ وتعبٍ وعتابٍ لا يساوي شيئاً أمام تلك اللحظة.
لكن الكلمات تأخرت.
ضغط على يدها، فحاولت أن تضغط على يده. ثم أغمضت عينيها. تغيّر صوت الجهاز. رفع رأسه، ونادى الطبيب. دخل أحدهم، ثم تبعه آخر. تحركت الأيدي من حول السرير، وتعالت كلماتٌ لم يفهم منها شيئاً. بقي واقفاً في مكانه، ممسكاً بيدٍ بدأت تفقد دفأها.
ثم سكت الجهاز.
وسكت العالم.
وبقي هو واقفاً، لا يعرف ماذا يفعل بيديه الفارغتين.
لم يبكِ يومها كما كان يتوقع. ظلّ يحدّق في وجهها، كأنها ستفتح عينيها بعد قليل وتسأله لماذا يقف هكذا. وحين أدرك أنَّ الانتظار لن يعيدها، انحنى عليها، ووضع جبهته على يدها، وانفجر بالبكاء.
منذ ذلك اليوم، صار يعرف أنَّ الإنسان قد يعيش ساعاتٍ طويلةً وهو لا يزال يتنفس، لكنه يفقد في لحظةٍ واحدة شيئاً لا يعود.
رفع عينيه عن الصورة. كان الألم في معدته يشتد، لكن ذكرى زوجته كانت أشدّ حضوراً.
فتح الدفتر، وكتب:
«لا نعرف ما الذي تحمله الوجوه خلف ابتساماتها. قد يجلس أمامك رجلٌ هادئ، وفي داخله بيتٌ خالٍ، وصوتٌ لن يعود. وقد تقرأ كلماتٍ كتبها إنسانٌ آخر، فتفتح فيك باباً ظننت أنك أغلقته إلى الأبد.
نكتب كي لا نموت وحدنا داخل ما يؤلمنا، لكننا ننسى أحياناً أنَّ كلماتنا قد تلامس جرحاً لم يلتئم بعد.
ولعلّ أقسى ما في الفقد أنه لا يأخذ منّا من نحبّهم فحسب؛ إنه يأخذ أيضاً النسخة التي كنّاها حين كانوا معنا».
توقّف. وضع القلم، وأغمض عينيه لحظةً.
على الطاولة المقابلة، كان مقالٌ سياسي لم يُكمل كتابته. في أعلى الصفحة عنوانٌ مشطوب، وتحته جملةٌ توقّف عند نصفها. كان المقال يتناول قضيةً أثارت جدلاً في الأيام الأخيرة، وقد تلقّى بعد نشر الجزء الأول تعليقاتٍ غاضبة ورسائل لم يفهم إن كانت تهديداً أم مجرد محاولةٍ لإسكاته.
نظر إلى الورقة طويلاً، ثم إلى صورة زوجته، ثم إلى يده الموضوعة على معدته.
ثلاثة أوجاعٍ اجتمعت في غرفةٍ واحدة: جسدٌ يطلب النجدة، وقلبٌ لم يتصالح مع الفقد، وعقلٌ لا يعرف كيف يتراجع عن الأسئلة التي ظلّ يطرحها على الآخرين.
لم يكن يعرف أيّها أثقل من الآخر.
رنّ الهاتف. نظر إلى الشاشة، لكنه لم يمدّ يده إليه. انقطع الرنين، فعاد الصمت إلى الغرفة. بعد لحظات، أضاءت الشاشة من جديد، ثم انطفأت.
على طرف المكتب، ظهر جزءٌ من ظرفٍ أبيض تحت الأوراق. لم يفتحه. كان يعرف ما فيه. كان قد قرأه أمس، ثم أعاده إلى مكانه، كأنه يأمل أن يختفي وحده.
كان الظرف يحتوي على ورقةٍ واحدة، بخطٍّ لم يكن يعرفه:
«نعرف أين تسكن. نعرف أين تذهب. نعرف من تحب. توقف عن الكتابة… أو سنتوقف عنك».
لم يخبر أحداً. لم يذهب إلى الشرطة. لم يتوقف عن الكتابة.
لكنه في تلك اللحظة، شعر أنَّ كل شيء قد انتهى.
انحنى قليلاً، وأسند رأسه إلى ذراعه فوق المكتب.
كانت صورة زوجته أمامه، والمقال غير المكتمل إلى جوارها، والدفتر مفتوحاً على الكلمات الأخيرة.
لم ينهض بعد ذلك.
عاد صديقه بعد وقتٍ قصير.
لم يكن قد ابتعد كثيراً. ظلّت كلمات صاحبه تلاحقه، وظلّ وجهه الشاحب يثير قلقاً لم يستطع تجاهله. اشترى له علبة دخان، وقرر أن يعود ليطمئن عليه، وربما يقنعه بالذهاب إلى المستشفى.
طرق الباب مرةً، ثم دفعه برفق.
— هل أنت هنا؟
لم يأته جواب.
دخل، فرأى صاحبه جالساً خلف المكتب، ورأسه مائلاً إلى الجانب، ويده مستقرّة قرب الدفتر المفتوح.
اقترب منه.
— ماذا بك؟ هل اشتدّ عليك الألم؟
لم يتحرك الرجل.
وضع الصديق يده على كتفه وهزّه برفق. كانت باردة. ثم انحنى نحو وجهه، وناداه باسمه مرةً أخرى. لم يكن في السكون ما يشبه النوم؛ كان سكوناً لا يترك للنداء فرصةً ثانية.
تراجع خطوةً، وتجمّد في مكانه.
— لا… أرجوك.
أمسك بيده. كانت باردة.
لم يعرف كم مضى من الوقت وهو واقفٌ هناك. لم يسمع إلا أنفاسه المضطربة، وصوتاً بعيداً يأتي من الشارع. ثم لمح الدفتر المفتوح.
قرأ السطور الأخيرة.
«ولعلّ أقسى ما في الفقد أنه لا يأخذ منّا من نحبّهم فحسب؛ إنه يأخذ أيضاً النسخة التي كنّاها حين كانوا معنا».
توقّف عند العبارة طويلاً. شعر بأنَّ الكلمات لم تعد كلمات صاحبه وحده. رأى فيها ابنه، وزوجة الرجل، وكلّ من غابوا فجأةً وتركوا وراءهم حياةً لا تعرف كيف تستأنف طريقها.
مدّ الصديق يده نحو الهاتف، ثم توقّف. لم يكن يعرف إن كان آخر من اتصل بصاحبه شخصاً ينتظر جواباً عادياً، أم أحداً يحمل خبراً مهماً.
نظر إلى المقال السياسي، ثم إلى صورة الزوجة، ثم إلى الدفتر.
كانت الأشياء ساكنةً في أماكنها، لكنها لم تمنحه أيّ جواب.
على طرف المكتب، لاحظ الظرف الأبيض. مدّ يده نحوه، ثم سحبها. لم يكن يعرف إن كان من حقه أن يفتّش في أسرار رجلٍ لم يعد قادراً على شرحها. لكنه عاد ومدّ يده مرةً أخرى، وفتحه.
قرأ الورقة.
سكت طويلاً.
ثم أغلق الدفتر برفق، ورفع عينيه نحو صورة الزوجة، ثم نحو الأوراق المبعثرة. بدا المكتب كما تركه صاحبه قبل دقائق؛ الكتب في أماكنها، والقلم قرب الصفحة، والكرسي المقابل فارغ.
نهض، واتجه نحو الباب. وقبل أن يخرج، التفت إلى الداخل. كان الباب موارباً، كما تركه حين دخل.
عاد خطوتين، وأغلقه بهدوء.
في الخارج، كانت المدينة تمضي في يومها المعتاد. باعةٌ ينادون على بضاعتهم، سياراتٌ تتزاحم عند التقاطع، وأناسٌ يعبرون الشارع وهم ينظرون إلى ساعاتهم، كأنَّ الوقت لا يتوقف لأحد.
وقف الصديق لحظةً في الممر، ثم مضى ببطء.
كان يعرف أمراً واحداً فقط: أنَّ رجلاً رحل، وأنَّ خلفه أوجاعاً كثيرة، وأنَّ كلّ من عرفه سيحمل روايته الخاصة عن موته.
سيقول بعضهم إنَّ المرض أخذه. وسيقول آخرون إنَّ الحزن أنهكه، وإنه لم يتعافَ يوماً من رحيل زوجته. وربما سيتساءل آخرون عن مواقفه السياسية، وعن المقال الذي لم يُكمله، وعن الظرف الذي لم يره أحد.
لكن أحداً لن يعرف على وجه اليقين.
أما هو، فسيظلّ يتذكر برودة معصم صديقه تحت أصابعه، والدفتر المفتوح، والورقة التي كتبت بخطٍّ لم يعرفه.
وفي مكانٍ ما من المدينة، كان هناك ابنٌ لن يعود، وزوجةٌ لن تفتح عينيها مرةً أخرى، ورجلٌ لن يكمل مقاله.
ظلّ الوجع هناك؛ في ما قيل، وما لم يُقَل، وفي الحقيقة التي رحلت مع صاحبها.
14/10/2026

