بين الانكماش والتدحرج في فرنسا – عبد الخالق الفلاح

ترى فرنسا نفسها اليوم في انكماش ومغاير وتدحرج لما كانت علية سابقا في كلا الحالتين الداخلية اولاً: من خلال الاحتجاجات الواسعة التي تعيشها في أنحاء البلاد على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة، وتخللتها مواجهات مع قوات الأمن وأعمال تخريب في باريس ومرسيليا ومدن أخرى و حالة طوارئ وسط اتساع متواصل للحركات الاحتجاجية المنددة بالوضع الداخلي السائد ومخاوف من انفلات الوضع الأمني ما يضع الرئيس ماكرون في مفترق طرق حاسم ومعه أسس النظام السياسي كما حددته الجمهورية الخامسة ، فرنسا أحد “محركات” الرئيسية للتكتل القاري تجد نفسها على مفترق طرق غير مسبوق. فهل تذهب الأزمة إلى حدّ تقديم الرئيس ماكرون لاستقالته؟ ، والخارجية الثانية: في إفريقيا حيث كانت في منتصف القرن التاسع عشر قد أقامت قواعدها في مختلف الدول الإفريقي، وخصوصا في غرب ووسط القارة السمراء، بينما كان التبادل التجاري وتجارة العبيد والصمغ العربي والعاج ومختلف المواد الأولية قد بدأت قبل ذلك بقرنين على الأقل، في حين أنها تعيش مرحلة دقيقة من تاريخها في الوقت الحالي ، تتّسم بتراجع استراتيجي بنيوي في ظل عالم يشهد تحوّلا جذريا في موازين القوى، ومع تسارع التحوّلات الجيوسياسية العالمية، وجدت فرنسا نفسها عاجزة عن صياغة مشروع استراتيجي يعيد تعريف حضورها في النظام الدولي، فقد تفكّك نفوذها في إفريقيا، وأضحت قوة متداعية تعاني من مشاكل بنيوية، وهو ما يشي بأن الأفول الفرنسي ليس مؤقتا ولا عرضيا وتراجع نفوذها يعود إلى عوامل متداخلة ومركبة، منها تراجع نفوذها الاقتصادي و تقهقرها الثقافي أيضا و تراجع حضورها العسكري في السنوات الاخيرة في دول الساحل الإفريقي بشكل كبير، حيث انسحبت قواتها من بعض الدول وتستعد للخروج من أخرى . كما ان تركيز اهتمامها خلال الثلاثين سنة الماضية على تعزيز وجودها في أسواق أوروبا الشرقية وتقوية نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي هو من العوامل المهمة الاخرى ، لذا يقتضي منها ، إعادة النظر في علاقاتها مع دول هذه القارة، وهو ما يتردد باستمرار داخل عدد من المحافل الإقليمية،لقد هيمن المستعمر الفرنسي على مناطق شاسعة من القارة الأفريقية بعد غزوها في القرن السابع عشر الميلادي؛ مع اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939، استقدمت فرنسا الجنود من مستعمراتها ليكونوا وقودًا في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ووعدتهم في مقابل ذلك بنيل الاستقلال إذا كسبت الحرب منًّا وكرمًا منها، لا استحقاقًا طبيعيًا لشعوب ترنو لنيل حريتها واستقلالها وتقرير مصيرها ، فيما عُرف ببداية مرحلة الاستعمار الأوروبي للقارة السمراء الغنية بالموارد الطبيعية والبشرية المتنوعة ذات الوفرة، استخدمت فرنسا أبشع أنواع العنف والتنكيل بالشعوب الأفريقية التي وقعت فريسة لها، وتلظّت بنير عسفها وجورها وتسلّطها غير المسبوق، الذي تميزت به المدرسة الاستعمارية الفرنسية عن غيرها من مدارس الاستعمار الأوروبي الحديث.ولا شك بان  المعاناة التي تعيشها الكثير من بلدان القارة، إلى إصرار بعض الدول على التعامل معها بخلفية استعمارية، ما ينطبق بشكل كبير على فرنسا التي وإن غادرت مستعمراتها السابقة عسكرياً، فقد ظلت توظّف الكثير من الآليات والتقنيات في سبيل بسط هيمنتها وتكريس تبعيتها لها، عبر سبل مختلفة ، تطرح أزمة الديون الفرنسية المتفاقمة أسئلة بنيوية أعمق بكثير من كونها مجرد تعثر مالي عابر لبلد أوروبي محوري؛ فهي تمسّ صميم النقاش حول مستقبل النموذج الرأسمالي الغربي بصيغته المعاصرة، وبخاصة نموذج “دولة الرفاهية المُموّلة بالاستدانة”، والارتباط التاريخي الوثيق بين هذا النموذج واستنزاف ثروات المستعمرات السابقة  ،لا تخفى كذلك أهمية التنافس الدولي على القارة، والذي تقوده قوى دولية، والصين والولايات المتحدة واليابان وروسيا، وإقليمية وتركيا والبرازيل، والتي لا تحمل خلفها تراكماً استعمارياً في القارة، ويمكن ان نقول إذا كانت هذه البلدان الإفريقية ستحل النفوذ الروسي أو الصيني محل الفرنسي، فلا أظن أن ذلك يساعد في بناء الاستقرار الحقيقي بالمنطقة ، إذا كان الأمر يتعلق بتراجع النفوذ الأجنبي كنتيجة لخيارات استراتيجية تتعلق بتعزيز السيادة الوطنية للدول الإفريقية وبناء اقتصادات قوية“.فأكيد أن هذه الطريق ستؤدي إلى استقرار المنطقة وازدهارها ونهضة شعوبها، إذا تضافرت عوامل أخرى جيوسياسية بينها تعزيز السوق الإفريقية المشتركة، ومنطقة التبادل الحر”،

ان تعزيز الخيار الديمقراطي الذي سيظل أهم ضمانة للاستقرار، وتجنب تلك الدول مخاطر الانفلات الداخلي والتدخل الأجنبي الخروج الفرنسي من الدول الافريقية طبعا سوف ترافقها مجموعة من المتغيرات من أهمها خلق انظمة ديمقراطية يضمن الكرامة والحرية للمواطن، وتتبنى خيارات اقتصادية وطنية، ويوفر الشغل والاندماج لمختلف فئات المجتمع، وخاصة الهشة“.

كذلك يجب  أن  تراعي الأنظمة الجديدة التوازنات الدولية دون تفريط في السيادة، وتنفتح على محيطها الإقليمي لتوفير مناخ للأمن والسلام عبر التعاون والشراكة، بدل تغذية النزاعات التي تتسبب بتدخل القوى الكبرى، كما نشاهده في السودان وليبيا والصومال ومالي اليوم. أن التجارب الماضية عبر العالم تؤكد أن الاستقرار هو نتيجة لمعادلة فيها متغيرات سياسية واقتصادية واستراتيجية حتمية لا محال في البلدان التي تتحقق فيها.

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *