الكرد والتجربة الطلابية الصربية- بقلم: مصطفى باكو

بعد نحو عامين من المظاهرات والاعتصامات وقطع الطرق، حققت الحركة الطلابية في صربيا انتصاراً سياسياً تاريخياً، بعدما تمكنت من هزيمة التحالف الحاكم بقيادة الرئيس ألكسندر فوتشيتش في الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، واضعةً حداً لهيمنة سياسية استمرت نحو 14 عاماً.
بدأت شرارة الاحتجاجات في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، إثر انهيار سقف محطة السكك الحديدية في مدينة نوفي ساد، عاصمة إقليم فويفودينا، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. وفي البداية، طالب المتظاهرون بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة، لكن الاحتجاجات سرعان ما اتسعت لتشمل مكافحة الفساد والجريمة المنظمة والاستبداد، ورفض هيمنة السلطة على مؤسسات الدولة.
وانطلقت الحركة من نوفي ساد لتنتشر في مختلف أنحاء صربيا، وتتحول من احتجاج طلابي إلى حركة سياسية وشعبية واسعة استطاعت فرض التغيير عبر صناديق الاقتراع.
والذي يجب ان نعرفه بان هذه الحركة ليست وليدة اللحظة، فالحركة الطلابية الصربية تمتلك تاريخاً طويلاً من الاحتجاج ضد السلطات، منذو العهد الملكي مروراً بالحكم الشيوعي في يوغسلافيا.
أول ظهور للحركة الطلابية كانت في عام ١٩٠٣ ضد حكم الملك الكسندر اوبربنوفيتش وتبلورت هذه الحركة ففي احتجاجات عام 1936، على إنشاء شرطة جامعية، وأسفرت المواجهات عن مقتل أحدهم، وأصبح الرابع من أبريل/نيسان مناسبة سنوية للاحتفال بيوم الطلاب.
وفي يونيو/حزيران 1968، شهدت بلغراد احتجاجات طلابية ضد البيروقراطية والتفاوت الاجتماعي والبطالة وامتيازات الطبقة الحاكمة، التي وصفها المحتجون بـ«البرجوازية الحمراء». وتصاعدت المواجهات مع الشرطة، قبل أن يتدخل الزعيم اليوغسلافي جوزيب بروز تيتو بخطاب تلفزيوني أبدى فيه تفهمه لمطالب الطلاب، في محاولة لاحتواء الأزمة خوفاً من أن تتطور الأمور وتشمل كل فئات الشعب.
وتؤكد هذه المحطات أن الحركة الطلابية كانت، في مراحل مختلفة من تاريخ صربيا ويوغسلافيا، قوة قادرة على التعبير عن غضب المجتمع وفرض قضايا الإصلاح على السلطة.
تحت ضغط الشارع، وصلت الأزمة السياسية إلى الانتخابات المبكرة التي جرت في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وخاضت الحركة الطلابية الانتخابات بقائمة مستقلة، في مواجهة قائمة «ألكسندر فوتشيتش – صربيا الموحدة».
وبحسب النتائج الأولية التي أعلنتها اللجنة الانتخابية الصربية، حصلت قائمة الطلاب على 52.71% من الأصوات، بما يعادل 140 مقعداً من أصل 250 مقعداً في البرلمان، بينما حصلت قائمة فوتشيتش الحكومية على 39.17% من الأصوات و104 مقاعد. أما القوائم الأربع التي تمثل الأقليات القومية، فقد حصلت مجتمعة على ستة مقاعد.
وأقر الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش نفسه بخسارة قائمته، معترفاً بفوز قائمة الطلاب، وهو ما أكدته وسائل الإعلام المحلية والعالمية.
وبهذا الشكل تكون الحركة الطلابية انتقلت من الشارع إلى صناديق الاقتراع، وحققت أغلبية برلمانية تسمح لها بتشكيل الحكومة، لتقدم مثالاً على قدرة الاحتجاج الشعبي المنظم على إحداث تغيير سياسي جذري.
الحركة الكردية الطلابية في يوغسلافيا
و هذه التجربة ذكرتني بما قمنا به نحن الطلاب الكرد في يوغسلافيا عام 1988، حين نظمنا مظاهرة في بلغراد والتى تعتبر اول مظاهرة طلابية كردية في دولة اشتراكية لا تسمح بالمظاهرات وحدث هذا نتيجة معرفة الحكومة الشيوعية في بلغراد اذا منعت ذلك سوف لن تستطيع احتواء الكرد الغاضبين على هذه المجزرة البشعة وخاصة هناك عمال وشركات يوغسلافيا تعمل في العراق وجنوب كردستان وتخاف على مصالحها هناك والمظاهرة انطلقت من محطة القطارات باتجاه السفارة العراقية، احتجاجاً على مجزرة حلبجة التي ارتكبها نظام صدام حسين.
شارك في المظاهرة طلاب كرد قدموا من مختلف المدن والجمهوريات اليوغسلافية، واجتمعوا رغم اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية. ورفعنا علم كردستان وأعلام أحزاب وحركات كردية، وطالبنا بمحاكمة المسؤولين عن المجزرة وتدخل المجتمع الدولي لحماية الشعب الكردي.
كانت تلك التجربة مهمة لأنها أظهرت أن القضية الوطنية تستطيع توحيد الكرد حين تتقدم المصلحة المشتركة على الخلافا8ت الحزبية. وقد أثبتنا آنذاك أن الطلاب قادرون على تنظيم أنفسهم والتعبير عن موقفهم، حتى في دولة ذات نظام سياسي مختلف، وفي ظل علاقات جيدة بين يوغسلافيا والعراق.
هنا خطر في بالي سؤال مهم: هل نحن الكرد بحاجة إلى حركة طلابية وشبابية مستقلة، تستفيد من التجربة الصربية وتضع حداً لهيمنة الأحزاب التقليدية؟
بعد عقود طويلة من الانقسامات والصراعات والإخفاقات السياسية، أليس من حق الجيل الكردي الجديد أن يطالب بتجديد الحياة السياسية، ومحاسبة القيادات، وإنهاء احتكار القرار؟
إننا بحاجة إلى حركة شبابية مستقلة، لا تكون أداة بيد أي حزب، بل إطاراً وطنياً ديمقراطياً يجمع الكرد حول حقوقهم القومية، ويرفض الفساد، ويدافع عن الحريات، ويؤمن بتداول القيادة والمحاسبة.
فلا يمكن لشعب أن يطالب بالديمقراطية والحرية، بينما يقبل بغياب المحاسبة واحتكار القرار داخل مؤسساته وأحزابه. وليس من المنطقي أن تبقى القضية الكردية رهينة قيادات لا تتجدد، أو أحزاب تكرر الأخطاء نفسها من دون مراجعة جادة.
إن التجربة الصربية لا تعني أن علينا استنساخها حرفياً، لكنها تقدم درساً واضحاً: إن الشباب المنظم والمستقل يستطيع أن يكسر احتكار السلطة، ويحول الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي قادر على التغيير.
فهل آن الأوان لأن يتحرك الشباب والطلاب الكرد، ويتولوا زمام المبادرة، ويكسروا أصنام السياسة التقليدية، ويفتحوا الطريق أمام جيل جديد من القيادات؟
أم سنظل أسرى الأحزاب نفسها، نكرر التجارب الفاشلة، وننتظر نتائج مختلفة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *