متى يكون للكورد دولة ؟- كامل سلمان

متى يكون للكورد دولة ؟ هذا السؤال تم طرحه والخوض والنقاش فيه لعشرات السنين من قبل كوادر الأحزاب الكوردية ومن قبل المثقفين والأكاديميين الكورد وحتى عند عامة الناس من الشعب الكوردي ، فهو ليس بسؤال مستحدث ولا فكرة جديدة لكن الجديد هو أن القادة الكورد بدأوا يبتعدون عن فكرة الدولة التي يأسوا منها والغريب في الأمر هو أن جميع الجهود والآراء والنقاشات ذهبت هباءاً دون جواب واضح لأنهم بالأساس لم تكن لديهم استراتيجية مرسومة على المدى البعيد لتأسيس دولة للكورد . قد يكون الكورد في جغرافية العراق هم الأوفر حظاً مقارنة ببقية الكورد في جغرافية الدول المجاورة عندما حصلوا على إقليم فيه مواصفات الدولة لكن هذا الإقليم ظل حبيس التقلبات السياسية وضعف اللحمة الداخلية للأحزاب الكوردية فمهما تطور هذا الإقليم يبقى إقليم هش تتلاعب به أعاصير الطموحات السياسية لدول المنطقة . الشيء الملفت أن جميع الرؤى والأفكار لجميع الأحزاب والكوادر الفكرية الكوردية لم تطرح استراتيجية تأسيس دولة أي أنهم جميعاً كانوا عاجزين عن اختيار سكة واضحة تؤدي في النهاية إلى تأسيس دولة كوردية ، فمنهم من راهن على الكفاح المسلح أسوة ببقية الشعوب التي تحررت وأسست دولها بالكفاح المسلح ، وقد جرب الشعب الكوردي الكفاح المسلح وكان ثمن هذا الكفاح باهضاً لأن الكورد تلقوا ردات فعل عنيفة لم تحدث لأي شعب على وجه الأرض كادت أن تنهي وجود الكورد من الارض وأمام مرأى ومسمع شعوب وحكومات دول العالم عندما تعرض الكورد لأبشع أنواع الإبادة وبمختلف أنواع الأسلحة المحرمة دولياً . أربعة دول تحيط بكوردستان تفعل كل شيء من أجل أن لا يكون للكورد دولة . ثم جرب الكورد السياسة والدبلوماسية للوصول إلى أهدافهم المنشودة من خلال أحزاب سياسية كوردية عريقة وسياسيون كورد بارعون لكن النتيجة كانت خداع وغدر لتلك الأحزاب وخداع السياسيون البارعون من لدن حكومات الدول المجاورة ليست لمرة واحدة بل لمرات عديدة ناهيك عن رخص ضمائر بعض القادة الكورد في المساومة على القضية الكوردية مقابل مكاسب شخصية محدودة . بمعنى أن فكرة تأسيس دولة كوردية فكرة عقيمة يستحيل تحقيقها بمجرد التمنيات ، وهذا الشيء هو الذي بدأ يغلب عقول غالبية الكورد وخاصة الكورد في سوريا وتركيا وإيران الذين أصبح حلم حياتهم لا يتعدى وجود أقليم لهم على غرار أقليم كوردستان العراق . لكن الكورد الذين تركوا ديارهم واستوطنوا ديار المهجر تحديداً في الدول الغربية وعوا لشيء مختلف من خلال معايشتهم للمجتمعات الديمقراطية ونمو ثقافاتهم هو أنهم لمسوا بأن تأسيس دولة كوردية يمر عبر طريق واحد هو تحول دول المنطقة إلى الديمقراطية الحقيقية التي هي من المستحيلات لدول وشعوب المنطقة المبتلية بالجهل والتخلف والصراعات والحروب الدموية التي لا تنقطع . علينا أن نتساءل لماذا منطقتنا تعج بالحروب والاقتتال الدائم ؟ الجواب ببساطة لأن غالبية حكومات المنطقة حكومات ايديولوجية استبدادية وأن الشعوب لا حول ولا قوة لها بمعنى أدق غياب الديمقراطية تسبب في غياب رأي المواطن . إذاً هناك ومضة أمل وهي الديمقراطية ، لو أنها تحققت في دول المنطقة لانتهت الحروب ولأصبحت الشعوب حرة ولاستطاع الشعب الكوردي الذهاب إلى صناديق الاقتراع وتقرير مصيره بيده دون عناء . بما أن أصل العلة أصبحت معروفة لم يتبقى أمام الكورد إلا سبيل واحد وهو تحمل المسؤولية في نشر ثقافة الديمقراطية والدعوات الحثيثة لتطبيق الديمقراطية الحقيقية الصادقة داخل المجتمعات الكوردية وغير الكوردية التي يعيشون في كنفها وهي الضمانة المؤكدة للوصول إلى الغايات المنشودة ويجب أن يمارس الكورد الديمقراطية أنفسهم قبل غيرهم في كل مجالات حياتهم السياسية وغير السياسية ليساعدوا الناس على التأقلم مع الديمقراطية التي هي الطريق الوحيد للكورد لرسم مستقبل الشعب الكوردي وبالتالي تكون طوق نجاة للشعب الكوردي وطوق نجاة لشعوب المنطقة ، فالمثقف الكوردي أمام مسؤولية كبيرة في كيفية إيصال مبادئ الديمقراطية والتشجيع على نشرها ونشر ثقافة الرأي الآخر وتقبل الآخر لأن مصلحة الكورد أقترنت بهذه المفاهيم المعمولة بها في العالم الحر . هذه هي الاستراتيجية التي يجب أن يسير بها الكورد ، هي مسؤولية ومهمة كبيرة تحتاج إلى وعي عالي وقدرات فكرية استثنائية ، فمهما رفضت شعوب ودول المنطقة الديمقراطية يجب أن يزداد الكورد إصراراً على حملها والاستماتة من أجل نشرها لأنها المنفذ الوحيد للوصول إلى الحلم الكوردي . واخيراً يجب عدم الاعتقاد بأن الديمقراطية ستصل تلقائياً إلى منطقتنا أسوة بالأمم الأخرى وتكون واقع حال في مجتمعاتنا لأن الأيديولوجيات والعادات والتقاليد والأعراف العشائرية والدينية هنا تحمل الموانع والمصدات القوية ضد الديمقراطية وضد الحريات وضد حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق الحيوان والنبات والبيئة وفيها مناعة ضد البناء والتطور . السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا . هل المثقف الكوردي والاعلام الكوردي قادر على لعب دور المسوق للديمقراطية في المنطقة ؟ الجواب نعم إذا تحولت منطقة إقليم كوردستان إلى نموذج مثالي للديمقراطية عندها يستطيع أن ينطلق الإعلاميون والمثقفون والأكاديميون الكورد وغير الكورد بالإبداع في تسويق الديمقراطية ، فهل أنتبه القادة الكورد لهذه الفكرة أم شغلتهم الدنيا بما كسبوا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *