إن الإعلام أصبح اليوم قوة مهيمنة ذات تأثير صارخ ، وقدرة على التغيير في الأفراد والمجتمعات، فلا أحد ينكر ما للفضائيات كوسيلة مقدرة من النفاذ على فكر وعواطف واتجاهات الجماهير،ونحن نعيش مدى تحكم بعض القنوات الاخبارية العربية في مسار كثير من الأحداث وتحليل الأحداث بشكل مركب وتقسيم الادوار فيه وفق مفهوم وسياسة القناة المعنية ( برنامج ‘نقاش الساعة’ في قناة الجزيرة نموذج ).
ان تنامي و تحول الإعلام في كثير من الحيان من مجرد ناقل للأحداث إلى طرف فاعل فيها و سلاح وسيف وأداة بناء وأداة حرب وأداة هدم، وهو الثوب الذي يرانه الناس من خلاله، وبالتالي فهو وسيلة هامة للأشخاص والمؤسسات والتنظيمات كافة واصبح في قبضة اليد حيث يرفع منسوب التوتر في احيان متعددة ويقلل من لهيبها ويرفع ومستوى الخطاب ويقلل في جانب اخر وذلك من خلال نشرالمحتوى الملفق بهدف الخداع والأذى، والمحتوى المزوّر الذي ينتحل هوية المصادر الحقيقية، والمحتوى المضلِّل الذي يستخدم المعلومات بطريقة مضللة لتوجيه الاتهام زوراً، فضلاً عن التلاعب بالمحتوى والسياق والربط المزيف بوضع عناوين أو صور مفبركة ليس لها صلة بالمحتوى وطبعا ولاشك فيه ان هناك فرق كبير بين من يقوم بتغطية إعلامية لتنوير الرأي العام، الذي يحافظ على الحقيقة وبين من يغطي على الحقائق والوقائع ، لان الأول يبحث عن الصورة الكاملة، والثاني ينتقي ما يخدمه قلمه فقط ، والبعض يفتح المجال لتعدد الأصوات، ولاخر يعيد تدوير الأصوات نفسها. وهناك من يحترم عقل المشاهد، وبينما الثاني يعتبره هدفا سهلا للتوجيه ، أو يفرض صمتا انتقائيا حين تتعارض الحقيقة مع حسابات الممولين وأصحاب القرار. هناك فرق كبير بين من يقوم بتغطية إعلامية لتنوير الرأي العام، وبين من يغطي على الحقائق والوقائع يفتح والمجال لتعدد الأصوات ويبحث عن الصورة الكاملة، والاخر ينتقي ما يخدمه فقط. وهناك من يعيد تدوير الأصوات نفسها. و يحترم عقل المشاهد، اما الاخر يعتبره هدفا سهلا للتوجيه. مما تجعل العملية تتحولا من مهمة إلى استخدم مفرط لأشكال مختلفة من أساليب ‘الدعاية’ والترويج الدعائي’، ما بين ثنايا ومضامين الأخبار والتقارير الإخبارية والمقالات والتحقيقات الصحفية و التي يطبل فيها هذه الأيام بعض الشخصيات التي تتجار في المجال الإعلامي، وكذلك تم الترويج لمفهوم آخر هو ‘الإعلام الإلكتروني’، وكأنهما الفتح المبين في عالم صاحبة الجلالة، والرسالة الإعلامية التي فقد بريقها منذ أكثر من عقد من الزمان، وأصبحت أقرب الى موضوعة (التهريج) والتحول الى مطبلين يحيطون برجالات السلطة ويسمون انفسهم السلطة الرابعة حقا وحقيقة ، ولكن الجمهور الواعي المثقف يدرك أهداف أولئك وأساليب ترويجهم، وهي لن تنطلي على النخب المثقفة والطبقات الواعية، بالرغم من أن هناك من النخب، وتحت ضغط العوز، من انغمس في مهاوي تلك اللعبة، وراحوا مضطرا ربما للمشاركة فيها، لدفع ودرء متاعب العيش عنه، بعد إن بلغت الأحوال ببعضهم الحرمان من أبسط حقوقهم الآدمية في الحياة مع حفظ كرامة الاخرين وعدم المساس ،رغم فداحة هذا الأمر الان ان يستمر البعض في تضليل الرأي العام و لايهمه خطره على السلم الأهلي و الإيغال فيه كونه أحد أبرز وسائل التضليل والتزييف وباباً من أبواب الاستثمار السياسي.
أن الإعلام الواقعي، بحكم إيقاعه المتسارع، يميل إلى الاختزال ويبتعد عن التعقيد في العناوين وضغط الوقائع في صور ، وتلخيص التجارب الإنسانية ويسهل الاستهلاك ولا يظل محدود القدرة على استيعاب عمق التجربة الإنسانية وتشابك أبعادها، الاعلام الحقيقي يمنح المتلقي شعورًا بالاطلاع والإحاطة، بينما يوجه انتباهه عبر حدود رسمها اختيار الموضوع، وترتيب التفاصيل، وتحديد مساحة الظهور. ومن هنا تنبع قوة التجربة الإعلامية؛ ان كانت تستمد جانبًا من تأثيرها من الإحساس بكفايتها، ومن سهولة التعامل معها بوصفها تمثيلًا مباشرًا للواقع. وكلما ازداد هذا الإحساس رسوخًا، تراجعت المسافة النقدية بين المتلقي والمادة المعروضة، وأصبح استكشاف العناصر الغائبة مهمةً تحتاج إلى وعي ومساءلة وبحث يتجاوز حدود المشهد الظاهر.
عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

