إذا صدقت التوقّعات وخسر الجمهوريون أغلبيتهم في الكونغرس، فستدخل أمريكا مرحلة تتداخل فيها معركة المعيشة والهجرة مع الصراع على اتجاه الحكم. وسيحاول ترامب استعادة المبادرة، بينما يعيد الحلفاء والخصوم حساباتهم. عندئذ ستمتدّ ارتدادات الانتخابات إلى مسارات المواجهة والتفاوض، من أوكرانيا والصين إلى صراعات الشرق الأوسط.
داخل أمريكا، ستكون المعيشة أوّل امتحان. فالناخب الذي يعاقب الإدارة على الغلاء لن يكتفي بتغيير أغلبية الكونغرس؛ سيطالب بنتائج في أسعار الغذاء والوقود والسكن والرعاية الصحية. وهنا سيواجه الديمقراطيون مسؤولية تقديم بدائل، وسيحاول ترامب تحميلهم مسؤولية الجمود. وإذا تحوّل التمويل الحكومي إلى أداة صراع، فقد يدفع الموظفون والمتعاقدون ومستخدمو الخدمات كلفة المواجهة قبل السياسيين.
وتكشف كلفة الطاقة والرسوم الجمركية كيف دخلت السياسة الخارجية إلى تفاصيل الحياة اليومية. قد لا ينشغل الناخب بموازين الشرق الأوسط، لكنه يتأثّر باضطراب إمدادات الطاقة. وقد يؤيّد حماية الصناعة، ثم يعترض عندما ترتفع أسعار مشترياته. لذلك أتوقّع ضغطًا متزايدًا لمراجعة السياسات المكلفة، مع بقاء الخلاف على أسباب الغلاء والجهة المسؤولة عنه.
وفي الهجرة، قد يعوّض ترامب تراجع الثقة بأدائه الاقتصادي بتشديد خطاب الحدود والترحيل لتعبئة قاعدته، فيما يطالب خصومه برقابة أكبر على التنفيذ، وتتّسع المواجهة مع ولايات ومدن معارضة. لكنّ التضييق على العمالة المهاجرة قد يرفع تكاليف قطاعات كالبناء والزراعة، حيث تؤدّي العمالة القادمة من أمريكا اللاتينية دورًا مهمًّا، خصوصًا في الأعمال المنخفضة الأجر. وهكذا قد تتحوّل سياسة يقدّمها بوصفها حمايةً للاقتصاد الأمريكي إلى عامل يرفع تكاليف الإنتاج والأسعار.
وسيحدّد حجم الخسارة اتجاه الحزب الجمهوري في مرحلة ما بعد ترامب. فالهزيمة المحدودة قد تُبقي نهجه مؤثّرًا في اختيار خليفته، أمّا الواسعة فقد تدفع القيادات الطامحة إلى الرئاسة إلى مراجعة سياساته، والبحث عن خطاب يعيد الناخبين الذين خسرهم الحزب.
وفي المقابل، سيحتاج الديمقراطيون إلى التمييز بين تأييد برنامجهم والرغبة في تقييد الرئيس؛ فالائتلاف الرافض له ليس موحّدًا في الضرائب والهجرة وإسرائيل وأولويات الإنفاق.
لهذا أرجّح تصعيدًا تتخلّله صفقات. يحتفظ الرئيس بأجهزة التنفيذ والفيتو، ويملك الكونغرس أدوات التمويل والرقابة. والأهمّ دوليًا أنّ تضييق الحركة داخليًا قد يدفع ترامب إلى البحث عن إنجاز خارجي، اتفاق يخفّض كلفة أزمة، أو تصعيد يقدّمه بوصفه استعادة للردع. خسارة الأغلبية لا تضمن هدوء سياسته الخارجية.
في أوكرانيا، أظهر الاعتراض الجمهوري والديمقراطي على تخفيف العقوبات عن روسيا أنّ الخلاف يتجاوز الولاء الحزبي. وقد يمنح التغيير الانتخابي دعم كييف ومراقبة التنازلات لموسكو مساحة أوسع. لكنّ ترامب سيواجه مفاضلة بين الضغط على روسيا لانتزاع تسوية، والاستفادة من صادراتها لخفض كلفة الطاقة. تلك مفارقة تجمع حساب الحرب الأوروبية بحساب المعيشة الأمريكية.
وقد تستفيد أوروبا من كونغرس أكثر تمسّكًا بدعم أوكرانيا، لكنها لن تتخلّى بسهولة عن زيادة قدراتها الذاتية. فالتزامات رفع الإنفاق الدفاعي والأمني تعبّر عن إدراك أنّ الاعتماد على واشنطن أصبح أكثر تقلّبًا. أمّا موسكو، فقد تراهن على انشغال الأمريكيين بخلافاتهم لإطالة التفاوض وتحسين موقعها الميداني؛ لذلك لا يعني تغيّر الأغلبية اقتراب نهاية الحرب بالضرورة.
وفي الصين، ستستمرّ المنافسة على التكنولوجيا والصناعة وسلاسل الإمداد. فإدارة بايدن رفعت بدورها رسومًا على سلع صينية استراتيجية، ومنها السيارات الكهربائية في 2024. التغيير المحتمل سيكون في أسلوب المواجهة وكلفتها، مراجعة بعض الرسوم، وتشديد القيود التقنية، وتسويات تجارية جزئية. وتمتلك بكين أوراقًا، خصوصًا في المعادن الحيوية، تجعل التفاوض تبادلًا للضغوط والمنافع.
وفي الشرق الأوسط، قد تزيد خسارة الجمهوريين الضغط لإنهاء الاستنزاف المرتبط بالمواجهة مع إيران. لكنّ ترامب قد يختار التصعيد لانتزاع شروط أفضل قبل التفاوض. وسيتوقّف الاتجاه على ردّ طهران وحسابات إسرائيل ومواقف الخليج. أرجّح أن تضغط الدول الخليجية لحماية المنشآت والملاحة وتجنّب حرب أوسع، مستخدمة علاقاتها واستثماراتها وقنواتها الدبلوماسية؛ فهي تتحمّل أخطارًا لا تختار توقيتها دائمًا.
أما إسرائيل، فقد تواجه تدقيقًا أشدّ في السلاح وسياسات الحرب، مع اتّساع الاعتراض داخل القاعدة الديمقراطية على كلفة حرب غزة الإنسانية. لكنّ الحزب لا يتّفق على قطع الدعم. المتوقّع ارتفاع كلفة التأييد المفتوح للحكومة الإسرائيلية، واتّساع المطالبة بشروط وضمانات، مع استمرار العلاقة الاستراتيجية.
وفي تركيا، تُظهر معارضة الجمهوري مايك لولر والديمقراطي براد شيرمان بيع طائرات «إف-35» لأنقرة إمكان قيام ائتلافات تضغط على خيارات ترامب. وقد يقوّي تغيّر الكونغرس هذه الاعتراضات، دون إلغاء وزن تركيا في الحساب الأمريكي. وفي سوريا، يكشف لقاء السيناتورة الديمقراطية جين شاهين بأحمد الشرع في سبتمبر أنّ التواصل مع دمشق يتجاوز الإدارة الجمهورية؛ وقد ينصبّ التغيير على الشروط والرقابة أكثر من أصل العلاقة.
وبالنسبة إلى الكورد، يمكن أن تتّسع مساحة التأييد والضغط لحماية الحقوق ومتابعة الاتفاقات، لكنها لن تتحوّل تلقائيًا إلى ضمانات. ستظلّ القضية الكوردية مرتبطة بأولويات واشنطن تجاه داعش وتركيا وإيران وروسيا. كما ستسعى القوى الإقليمية إلى التأثير في القرار الأمريكي، بدل انتظار نتائجه بلا حركة.
أتوقّع أن تغيّر الانتخابات مسارات الضغط والتفاوض أكثر ممّا تغيّر المصالح الأمريكية الكبرى. وسيحاول ترامب تحويل العامين المتبقّيين إلى إرث سياسي، بينما يختبر خصومه حدود قدرته على الانفراد بالقرار. وبين تسوية يحتاج إليها الداخل وتصعيد يستهدف تحسين شروطها، ستُعاد حسابات صراعات يدفع ثمنها الأمريكيون وشعوب أخرى معًا.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/11/2026 م

