ان الله سبحانه وتعالى كرّم الله بني آدم ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير من المخلوقات، وأعطاه مكانة خاصة فقال سبحانه وتعالى:
وَلَقَد كَرَّمنا بَنى ءادَمَ وَحَمَلنٰهُم فِى البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنٰهُم مِنَ الطَّيِّبٰتِ وَفَضَّلنٰهُم عَلىٰ كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا تَفضيلًا٧٠. [سورة الإسراء ، ولم يكن ذلك إلا دليلاً على مكانة الإنسان وتفرده عن غيره من المخلوقات بالفكر، ما يجعل قدراته العقلية أساس إنسانيته وهي اكثر الروابط البشرية سموًّا وأكبر دليلاً على رقي المجتمعات، ولا تتوقف أمام أي حواجز دينية أو عرقية أو فكرية ، و الانسانية لغة عالمية بكل معنى الكلمة تتساقط أمامها القيود والتباينات وتوثق بكون الإنسانية رحمة ونشر للخير ومواقف واضحة، وليست مجرد كلمة تلوكها الألسن وتتباهى بها الجماعات في بياناتها وتصريحاتها التي لا تساوي شي امامها، ومن ثم فإن افتقاده هذه القدرات والمواهب بمنزلة نزع للإنسانية التي ميزه الله بها، وخاطبه على أساسها في كتابه الكريم: «يا أيها الإنسان…»؛ لأنه حي عاقل مسؤول محاسب عن أفعاله، ويتسم بالعقل والعلم والإيمان والعمل والفكر:إذن، هو المعيار الفارق بين الإنسان والجماد، ولذلك يستحق الحياة من يفكر ويتدبر ويتأمل ويتعايش مع غيره من بني البشر، يستحق التكريم والاهتمام من يحمي غيره ويدافع عن حياته ويؤمن له الأمن والسلام وينشر الطمأنينة في الأنحاء؛ لأنه بذلك ينشر رسالة السلام التي هي أساس إعمار الأرض، ولو عدنا الى مفهوم الإنسانية فهو يحمل مفهوما واسعا في طياته ومعان عديدة يتعلق بالقيم والمبادئ التي تتعلق بكينونة الإنسان و يعبر عن الصفات والخصائص التي تجمع جميع أبناء الجنس البشري، حيث تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والعرقية، وتُعرف بأنها عاطفة سامية تدعو إلى التعاطف والتفاهم بين الأفراد و أعطاهم مكانة خاصة
ومن هنا ايضا يرى الإنسانيون أن هناك “صوابًا وخطأً” أخلاقيًا نابعًا من طبيعتنا البشرية، بما في ذلك احتياجاتنا ورغباتنا المشتركة، واحتياجات ورغبات الأفراد؛ لأننا نتفاعل مع بعضنا البعض، ونستطيع التفكير مليًا فيما نفعله؛ ولأن أفعالنا تؤثر علينا وعلى الآخرين تأثيرًا معياريًا .ومن هنا كذلك فالإنسانية تتعلق بسلوكه واخلاقه تجاه الآخرين، وتشمل التفاعل الإيجابي بين الأفراد والمجتمعات ،وهي مفهوم شامل او يعني أيضًا “الإنسانوية” كما تسمى، وهي أحد المفاهيم التي أُسست لمحاربة الكنيسة، ولهم أفكار ومبادئ مفادها: وجوب اجتماع الناس على الأخوة الإنسانية بعيدًا عن الدِّين وكل ما يتَّصل به، وغير ذلك من المبادئ الكفرية، ومِن العبارات التي اشتهرت عنهم في الترويج لمذهبهم: “اعتنق الإنسانية، ثم اعتنق ما شئت مِن الأديان”، فهي قيمة عليا عندهم حتى فوق الدِّين!
ان العقل البشري يعمل بطبيعته على التمييز والربط؛ وهو يُصنّف الأشياء ويُفهمها من خلال وضعها في سياق علاقات التشابه والاختلاف مع أشياء أخرى ، هذا يعني أن المعرفة ليست مجرد استقبال سلبي للمعلومات، ويعني اننا علينا ان نُدرك مفهوم “الخير” ولا يمكن بمقارنته بـ “الشر”، ولا نُدرك “الكبير” ولا يمكن مقارنته بـ “الصغير“بل هي عملية نشطة ، تبني فهما في الواقع عبر شبكة من العلاقات المتبادلة. ان أهمية القيم الإنسانية تعتمد فى بناء شخصية قوية للمجتمع القوى فالإنسان الذى يتمتع بالقيم الإنسانية مثل الصدق، الأمانة، والعدل، يعد من العناصر الأساسية فى بناء مجتمع متماسك. والقيم الأخلاقية تشكل الأساس الذى يبنى عليه الفرد في علاقاته مع الآخرين. وعندما تتكاتف هذه القيم بين الأفراد، يصبح المجتمع أكثر قوة وتماسكاً. وعندما يمتلك الأفراد فى المجتمع هذه القيم، فإنهم يسهمون فى بناء مجتمع قائم على العدالة والاحترام المتبادل. وهذا بدوره يعزز من استقرار ذلك المجتمع ويؤدى إلى تقدم مستدام وكذلك القيم الإنسانية مثل الاحترام، الأمانة، والتسامح، هى الأسس التى تُبنى عليها الشخصية القوية . في أبيات شعرية، للإمام الشافعي معبرة عن الحالة السامية في الانسان :
النَّاسُ لِلنَّاسِ ما دامَ الوَفاءُ بهِمُ .. والعُسرُ واليُسرُ أوقاتٌ وساعاتُ
وأكرمُ النَّاسِ ما بينَ الوَرى رَجُلٌ .. تُقضى على يَدِهِ للنَّاسِ حاجاتُ
لا تَقطَعَنَّ يَدَ المعروفِ عن أحَدٍ .. ما دُمتَ تَقدِرُ والأيَّامُ تاراتُ
واذكُرْ فَضيلةَ صُنعِ اللهِ إذ جُعِلَتْ .. إليكَ لا لكَ عندَ النَّاسِ حاجاتُ
قد ماتَ قومٌ وما ماتَتْ فَضائلُهُم .. وعاشَ قومٌ وهُم في النَّاسِ أمواتُ
عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

