أربيل / بغداد، بتاريخ 5 تموز 2025 — تتعرض منشآت ومدن إقليم كوردستان خلال الأسابيع الماضية إلى سلسلة هجمات عبر طائرات مسيّرة مفخخة ومقذوفات صاروخية مجهولة المصدر ، وهو ما يُثير مخاوف متزايدة حول التمادي الإيراني في استخدام الفصائل المسلحة كأدوات ضغط غير مباشرة ضد الإقليم.
ورغم أن الهجمات لم تسفر عن أي خسائر بشرية حتى اللحظة، إلا أنها تركّزت على مناطق حساسة مثل المطارات والمنشآت الحكومية والمدن الحدودية، مما يشير إلى أن الهدف ليس عشوائيًا، بل مخطط له ضمن استراتيجية أوسع لإحداث زخم أمني ونفسي في الإقليم.
سلسلة الهجمات: من كركوك إلى أربيل و السليمانية
1. كركوك – 3 تموز 2025:
- سقوط طائرة مسيرة في حي البدر بمدينة كركوك دون تسجيل خسائر.
- بدأت القوات الأمنية المحلية تحقيقًا شاملًا في مكان الحادث لتحديد مصدر الطائرة ودوافعها.
2. أربيل – 3 تموز 2025:
- إسقاط طائرة مسيرة قرب مطار أربيل الدولي ، حيث أكدت إدارة المطار أن الرحلات الجوية لم تتأثر، وأن البنية التحتية لم تُصب بأي ضرر.
- صفارات الإنذار انطلقت من القنصلية الأمريكية في المدينة، وهو مؤشر على أن الجهات الدولية تتعامل مع الأمر باعتباره تهديداً محتملاً للوجود الغربي في الإقليم.
3. منطقة كرميان – 3 تموز 2025:
- انفجار طائرة مسيرة مفخخة قرب ناحية كوكس ، دون وقوع ضحايا، لكن التحقيق مستمر من قبل فرق الآسايش الكردية للتوصل إلى الجهة المنظِّمة.
4. السليمانية – 1 تموز 2025:
- سقوط طائرتين مسيرتين في منطقة طاسلوجة ، والتي تقع قريبة من الحدود الإيرانية، حيث شنّت القوات الأمنية تحقيقات فورية، وأكّدت أن “الحادث لم يسفر عن خسائر بشرية”، لكنها رأت فيه تصعيدًا مقلقًا يستهدف استقرار الإقليم.
5. كركوك – 30 حزيران/يونيو الماضي:
- سقوط ثلاثة مقذوفات مجهولة المصدر داخل محيط مطار كركوك الدولي، اثنان في الجانب العسكري، وواحد في المدني، أدت إلى حريق خفيف في الحشائش القريبة، وإصابة شخص واحد بجروح طفيفة.
- مقذوف آخر سقط في حي العروبة بمدينة كركوك، وتسبب في أضرار مادية فقط.
6. زاخو – 1 تموز 2025:
- طائرة مسيرة سقطت داخل مخيم دركار للنازحين، مستهدفة مبنى مدرسة، وخلّفت أضراراً مادية فقط، ودون إصابات.
الاتهامات تتجه نحو الفصائل الموالية لإيران
رغم أن الجهة المنفذة لم تُعلن رسميًا، فإن معظم التحليلات السياسية والأمنية تشير إلى أن الهجمات الأخيرة تأتي في إطار الحملة الإيرانية المستمرة ضد الإقليم، وعبر وسطاء عراقيين.
لماذا تستهدف إيران كردستان؟
تشير المؤشرات إلى أن الهجمات الإيرانية أو الوكلاء المباشرين لها تسعى إلى تحقيق عدة أهداف:
- إضعاف الثقة بين إقليم كردستان وتركيا والغرب، من خلال إظهار الإقليم كبيئة غير آمنة.
- عرقلة جهود تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة لبناء تفاهمات جديدة مع الإقليم، خاصة فيما يتعلق بـ”التعاون الأمني”.
- فرض معادلة الردع الإيراني مرة أخرى، رغم الهزيمة العسكرية التي منيت بها طهران خلال الحرب الأخيرة.
- الضغط على الحكومة العراقية لمنع أي تقاسم سياسي جديد مع التركمان أو الكورد، خاصةً في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك.
ردود فعل محلية ودولية
في ظل تصاعد وتيرة الهجمات، دعا فيادات كوردية المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف التدخلات الإيرانية في الشمال العراقي، وقال إن “الإقليم لم يعد مجرد بيئة سياسية، بل أصبح هدفًا استراتيجيًا للحرس الثوري الإيراني”.
أما الحكومة الاتحادية في بغداد، فأصدر المتحدث باسمها بيانًا أبدى رفضًا عامًا لـ‘الاعتداءات على المواطنين‘، لكنه لم يسمِّ إيران أو الفصائل المسلحة، وهو ما يُفسّر بأن الحكومة المركزية قد تكون متواطئة أو على الأقل متفرجة.
على الصعيد الأمريكي، أعرب المبعوث الأمريكي الجديد إلى المنطقة ديفيد برانستون عن قلق واشنطن البالغ من تصاعد العنف في الإقليم، وقال إن “هذه الهجمات ليست فقط تهديدًا لأمن كردستان، بل أيضًا تهديدٌ للوجود الأمريكي والدعم الدولي للمنطقة”.
هل بدأت إيران حربًا بالوكالة ضد كردستان؟
يرى بعض الخبراء أن إيران بدأت إعادة بناء استراتيجيتها في الشمال العراقي، عبر استخدام الجماعات المسلحة الموالية لها في الداخل العراقي، بهدف إبقاء الإقليم تحت الضغوط، ومنع توسع التعاون التركي – الكردي – الإسرائيلي في المنطقة.
كردستان في مرمى “الحرب الخفية”
تشير التطورات إلى أن إيران، وبعض الفصائل العراقية المسلحة المرتبطة بها، تستخدم كردستان كمسرح للانتقام من الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، وهو ما يجعل الإقليم ضحية صراعات إقليمية أوسع، وليس فقط بسبب خلافات داخلية.
وقد يكون الهدف الحقيقي هو تعطيل مشروع “السلام الإقليمي” الذي تعمل عليه أنقرة وتل أبيب وواشنطن، والذي يشمل تطبيعًا أمنيًا واقتصاديًا مع الإقليم، بما في ذلك دعم كردستان في ملف النفط والحدود والمنشآت الدفاعية.
الهجمات الصاروخية والمسيرة على كركوك وأربيل والسليمانية ليست اعتداءات عشوائية، بل جزء من حرب أوسع تديرها إيران عبر وكلائها في العراق، وهي حرب غير معلنة، لكن آثارها خطيرة على السلام والاستقرار في أقليم كوردستان.
بينما تصر حكومة الإقليم على “الدفاع عن النفس ومواجهة الإرهاب”، فإن الواقع يقول إن الكورد وحدهم لا يستطيعون وقف هذه الهجمات بدون دعم دولي مباشر.
هل ستبقى هذه الهجمات ضمن نطاق التهديدات المادية أم أنها مقدمة لمرحلة أكثر خطورة؟
الإجابة تتعلق بـ:
- ردود فعل تركيا والولايات المتحدة.
- مدى استعداد بغداد لضبط حدودها مع إيران.
- والتطورات المستقبلية في الجنوب السوري، حيث يبقى التنافس الإقليمي مشتعلًا.
في الوقت الذي يحاول فيه العالم كتابة سلام، يبدو أن إيران تكتب حربًا جديدة، وتعيد تشكيلها بطائرات مسيرة .

