منذ أن بدأت تداعيات الصراع في سوريا، توالت التحليلات والتوقعات بشأن مصير هذا البلد الذي كان يوماً رمزاً للوحدة الثقافية والعرقية. يقول أحمد الشرع، رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، إن البلاد لن تقسم وأنه لن يسمح بتقسيمها. لكن هل هذه الكلمات حقيقة ملامسة للواقع أم مجرد سراب في صحراء الدم؟ الواقع يقول إن سوريا لن تكون كما كانت، وأن المضي قدماً في هذه المراهنات لن يؤدي إلا إلى زيادة التشرذم والتفكك. فما يراه البعض مستحيلاً، قد يصبح هو الحقيقة المؤلمة قريباً. فعندما تلتقي القوى المختلفة في هذا الوطن، من الكورد إلى القوى الموالية لتركيا، إلى القوى العربية، لا يمكن إغفال أن هذه الأطراف تملك تصورات متباينة حول مستقبل سوريا.
ما نراه الآن في أرض الشام هو تعبير عن قوى متناقضة، يتحكم فيها غموض المصير؛ فكل طرف يعتقد أن الحل في تقسيم البلاد، وأن بقاء سوريا موحدة أمر مستحيل .فالكورد يرون أنفسهم في صراع دائم مع القوى المركزية التي تسعى للحفاظ على الوحدة المركزية القسرية، فيما تحاول قوى أخرى من قبيل “هيئة تحرير الشام” إعادة ترتيب سوريا وفق أيديولوجيا دينية صماء، ترى في “الشريعة” ركيزة للسلطة والتقسيم.
إن تقسيم سوريا ليس مجرد لعبة حدود، بل هو مشروع يهدف لإعادة تشكيل المكونات السياسية وفق معايير عرقية وطائفية. ومن خلال هذا التصور، يعكس العديد من اللاعبين في المشهد السوري تفكيراً قاصراً يقتصر على الجغرافيا العرقية، حيث لا يعنيهم رسم الخرائط بقدر ما يعنيهم تأمين الولاء الطائفي. فهل هذا هو الحل الذي يعيد سوريا إلى الحياة؟ هل يحق لنا أن نصدق أنه في الوقت الذي تتصارع فيه القوى الكبرى على مصالحها في هذا البلد المنهك، لا نجد مكاناً للبحث عن حلول وطنية جامعة؟
في هذا السياق، علينا أن نُدرك أن التمسك بالوحدة الوطنية السورية لم يعد مجرد خيار بل فرض عين. فالعالم العربي، والإسلامي على وجه الخصوص، في حاجة إلى التغيير الجذري، تغيير يبدأ من الداخل ويعكس قدرة على التكيّف مع العصر ومفاهيم الدولة الحديثة، بعيداً عن إيديولوجيات القرون الوسطى التي تضع الدين في مواجهة مع السياسة. ما يحدث في سوريا اليوم هو انعكاس لصراع داخلي مع الذات، وهو ما يجعلها تبدو كالغارق في دوامة من الدماء والفوضى، حيث لا حل سوى التقسيم.
لكن، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذه الميليشيات، والجماعات السلفية والجهادية، أن تخرج من هذا المأزق الطائفي وتلتفت إلى مشروع سياسي حقيقي يعيد سوريا إلى خارطة الوطن؟ الإجابة قد تكون صادمة: لا، ما لم تخرج سوريا من هذه الدائرة المغلقة التي تحيط بها القوى الدينية والمتطرفة، فلن تجد مخرجاً. ولكن هل يمكن لسوريا، التي طالما كانت رمزا للوحدة والتعدد، أن تُقسم وتبقى موجودة؟
الحقيقة أن التحديات كبيرة والرهانات أعلى، وأي حديث عن تغيير حقيقي يتطلب شجاعة أكثر من مجرد تصريحات.
بوتان زيباري
السويد
21.08.2025

