على الطريق بين النجف وكربلاء، أومأ لي شاب عشريني بدا انه قاصدا النجف. قلت في نفسي: الجو حار، وهذا الشاب بحاجة إلى من يوصله إلى مقصده. كما أنني وحدي في السيارة، فوجدت من المناسب التقاطه وتبادل أطراف الحديث معه.
صعد علي، وهو شاب في مقتبل العمر، تعلو وجهه النحيل لحية خفيفة غير مهذبة، ويرتدي قميصاً مليئا من غبار الطريق. بدا عليه التعب، لكن عينيه كانتا تحملان نظرة متحدية. وكان قاصدا مدينة النجف، وكعادتنا نحن العراقيون، ما إن تقول لأحدنا الجو حار اليوم حتى يشتم السياسيين.
فكل الحوارات تقودنا إلى السياسة. وهكذا الحال مع علي فما ان سألته عن الحرارة حتى هاجم “السياسيين الفاسدين، والبلد المنهار، والخدمات المعدومة…” إلى آخر الحكاية.
مُتعَبٌ مثلي لا يقوى على المجادلة، والنقاشات الساخنة. فتراني اختار أقصر الطرق وأقلها مطبات ونظرات حادة، حتى صوتي المبحوح على الدوام لا يعينني في الاقناع، ماذا افعل هذه عيوب ولادية.
لكن بما انني صحفي “وشغلة الصحفي الحكي والكتابة” كما يقول صديقي الدكتور ناصر الحجاج، وجدتها فرصة لأعرف كيف يفكر علي، وهل هو مهتم بالعمل السياسي أم لا.
قلت له بعد موجة انتقادات وزعها شرقا وغربا: الانتخابات على الابواب فهل ستشارك فيها ام لا؟ نظر لي بحدة بينما تعمدتُ النظر إلى الطريق أمامي.
قال: وما هي الفائدة من المشاركة في الانتخابات؟ قلت: إن لم تكن هناك منافع، فعلى الأقل يوجد دفع مكاره.
قال: “شنو يعني؟” قلت: لو فرضنا أننا جميعاً كشيعة لن نشارك في الانتخابات، فما هو البديل؟ وكيف تتصور حالنا؟ قال: “ما أعرف. بس عادي يعني، شنو يصير أسوأ من اللي صار؟ إحنا بلا كهرباء ولا تعيينات.”
قلت: هل رأيت ما حل بالعلويين في سورية وأهل السويداء؟ قال: نعم. واصلت: سيكون حالنا أسوأ منهم إن لم ننظم أنفسنا.
ظل صامتا وبدا انه لم يفكر بهذا من قبل .
فوجدت اللحظة مناسبة لأقول له: إن السياسيين الشيعة يتحملون مسؤولية جسيمة في كونهم لم يلتفتوا إلى جمهورهم، وفكروا بعقلية “أم الولد” التي جعلتهم يحابون السنة والأكراد على حساب أبناء الوسط والجنوب. لكنني أضفت: هذا لا يُبرّئهم، ولا يُعفيهم من المحاسبة، بل يُدينهم.
ادار علي نظره الى النافذة الجانبية حيث بدت من بعيد منازل المزارعين في المزارع الصحراوية.
ربما قال في نفسه” لو أدري ما صاعد وي هذا الرجال هسه انه وين والسياسية وين”.
لكني واصلت الحديث وقد اغراني صمته فقلت: إن الجمهور الشيعي أيضًا يتحمل جزءًا من المسؤولية حين يغيب عنه الوعي السياسي أو الانتخابي، أو حين يُصوّت بعاطفة لا بعقل.
استدار نحوي ورمقني بنظرة حادة أخرى قبل ان يقول: يعني حجي شتريد من الناس؟ انتخبناهم هواي، والنتيجة وحدة: فشل في فشل! قلت له: دعني أكمل، لا تمسك بلعومي. ضحك بطريقة تعزز طيبته الجنوبية العميقة، وقال: كمّل حجي.
قلت: لو كنا ناخبين واعين، غير منحازين بشكل عاطفي، لوضعنا الأحزاب الشيعية في قائمة، وقيّمنا كل حزب حسب أدائه. لوجدنا أن بعضهم يأتي في الصدارة ويحصل على نقاط، وبعضهم ينزل إلى ذيل القائمة.
قال: “وبعدين؟” قلت له: إن كان الحزب الذي جاء في صدر القائمة حصل على نسبة 40% من تقييمنا أو أقل، فهو جدير بأن يُمنح فرصة.
قال مستغرباً: وهل 40% تعتبر نتيجة ناجحة؟ قلت: نعم، حين نأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة بالعمل السياسي، والضغوط الداخلية والخارجية.
قال: كلامك غير مقنع حاج، وهو ترويج للفاشلين من الشيعة. وأضاف: صحيح انته صعدتني بسيارتك وأنقذتني من الحر، بس أنا ضد تفكيرك.
ضحكت وقلت له: انا ناخب ولست مرشح وطريقة تفكيري لها علاقة بالسياسة وليس بالسيارة!
ضحك وقال: “يعني حجي، انت تريدني أرجع أصدك بالانتخابات؟” قلت له: لا أريدك أن تصدق، بل أن تفكر.
السيارة كانت تقترب من مدخل النجف، والشمس لا تزال تصبّ غضبها على الإسفلت. قلت له قبل أن ينزل: في لبنان، جمهور الحزب ظل متمسكًا به رغم أن الحرب دمرت بيوتهم لأنهم يرون فيه مظلة وجود، لا مجرد تمثيل سياسي.
أما نحن، فحين نغضب، ننسحب بصمت.
مسكين، علي، ومثله كثيرون وقعوا بين سندان فشل وخذلان ممثليهم السياسيين وبين مخططات خارجية تريد سرقة الوطن واعادة الشيعة الى عصر الاستعباد.
المعارك اليوم تُدار بطريقة شيطانية، تُحيّد فيها الشعوب، وتفكك الارادة، وتُسرق الاوطان امام الانظار ويُعاد تشكيل اللعبة من دونهم.

